فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٣٩٤ - الأمر الثاني في سقوط الحد بتصديق المقذوف
القذف إمّا بالبيّنة، أو باعتراف المقذوف إن كان غير زوجته، أو بهما أو باللعان إن كانت زوجته، فمتى حقّق القذف فلا جلد عليه، و هو على العدالة و الشهادة؛ لأنّه قد صحّ قذفه و ثبت صحّة قوله ...»[١]
و عمدة الدليل على ذلك عدم صدق الافتراء مع تصديق المقذوف قول القاذف، و أيضاً رفع العفّة المعتبرة في الإحصان بذلك. و هذا لا يناقض ما مرّ من عدم ثبوت الزنا إلّا بالإقرار أربع مرّات، لأنّ المعيار في سقوط حدّ القذف ليس منحصراً في إثبات الزنا، بل يكفي فيه رفع العفّة التي هي إحدى شروط الإحصان، و الإقرار و لو مرّة واحدة يجعله كذلك.
بل لا يبعد أن يؤيّد ذلك بما رواه الصدوق رحمه الله مرسلًا، قال: «قال الصادق عليه السلام في رجل قال لامرأته: يا زانية! قالت: أنت أزنى منّي، فقال: عليها الحدّ في ما قذفت به، و أمّا إقرارها على نفسها فلا تحدّ حتّى تقرّ بذلك عند الإمام أربع مرّات.»[٢]
و تقريبه: أنّ الزوجة في قولها: «أنت أزنى منيّ» اعترفت بأنّها زنت، و لكن نسبت زوجها بأنّ زناه أكثر منها، فهي قد صدّقت قاذفها، و الإمام عليه السلام حكم بثبوت حدّ القذف عليها، فيعلم بذلك أن لا حدّ على الزوج، و لا وجه له إلّا تصديقها له في فعل ما قذفها به.
و ذيل الحديث مشعر بما قلناه آنفاً من أنّ صدق التصديق ليس منوطاً بإثبات الزنا بالإقرار أربع مرّات.
و على هذا فالمرسلة ليست في مقام بيان حكم تقاذف الاثنين، الذي سيأتي في المسألة الثامنة أنّ حكمه سقوط الحدّ عن الجانبين و لكن يثبت تعزيرهما، بل في الرواية المذكورة خصوصيّة زائدة توجب ثبوت الحدّ على أحد المتقاذفين و نفيه عن الآخر، و هي تصديق أحدهما للآخر في ما قذفه به.
[١]- المبسوط، ج ٨، ص ١٧٦.
[٢]- وسائل الشيعة، الباب ١٣ من أبواب حدّ القذف، ح ٣، ج ٢٨، ص ١٩٦.