فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٦٧٧ - الصورة الثالثة إذا كانت التوبة بعد ثبوت الجريمة بإقراره
و على نظرنا فلا يكون القياس بباب الزنا مع الفارق، و ذلك لأنّ التوبة إذا أسقطت تحتّم أقوى العقوبتين- و هو الجلد مائة- في أقوى الذنبين- و هو الزنا- فأضعفهما- و هو الجلد ثمانين في الشرب- يسقط بها بطريق أولى.
هذا مضافاً إلى عموم التعليل الوارد في خبر تحف العقول في أجوبة الإمام أبي الحسن الثالث عليه السلام ليحيى بن أكثم، لمّا سأله عن مسائل، و فيه: «و أخبرني عن رجل أقرّ باللواط على نفسه، أ يُحدّ، أم يدرأ عنه الحدّ؟» فكتب عليه السلام في جوابه: «و أمّا الرجل الذي اعترف باللواط، فإنّه لم تقم عليه بيّنة، و إنّما تطوّع بالإقرار من نفسه، و إذا كان للإمام الذي من اللَّه أن يعاقب عن اللَّه، كان له أن يمنّ عن اللَّه، أما سمعت قول اللَّه: «هذا عَطاؤُنا ...»[١].»[٢]
و كذا التعليل الوارد في ما ورد عن بعض الصادقين عليهم السلام، قال: «جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأقرّ بالسرقة، فقال له: أ تقرأ شيئاً من القرآن؟ قال: نعم، سورة البقرة، قال: قد وهبتُ يدك لسورة البقرة، قال: فقال الأشعث: أ تعطّل حدّاً من حدود اللَّه؟ فقال:
و ما يدريك ما هذا؟ إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو، و إذا أقرّ الرجل على نفسه فذاك إلى الإمام، إن شاء عفى و إن شاء قطع.»[٣]
أضف إلى ذلك كلّه أنّ بناء الحدود على التخفيف و رعاية الاحتياط، فتسقط بأدنى شبهة، و ما ذكرناه لا أقلّ من أنّه يوجب الشبهة.
و قد بحثنا عن مسألة توبة من يرتكب ما يستحقّ الحدّ بنحو مبسوط في مباحثنا حول حدّ الزنا، و ذكرنا تفصيل آراء فقهاء السنّة في أثر التوبة عقيب الجرائم، فراجع.[٤]
[١]- ص( ٣٨): ٣٩.
[٢]- تحف العقول، صص ٤٧٨ و ٤٨١.
[٣]- وسائل الشيعة، الباب ١٨ من أبواب مقدّمات الحدود، ح ٣، ج ٢٨، ص ٤١.
[٤]- راجع: الجزء الأوّل من هذا الكتاب، صص ٣١١-/ ٣٢٥ و ٣٨١-/ ٣٨٨.