فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٦٧٦ - الصورة الثالثة إذا كانت التوبة بعد ثبوت الجريمة بإقراره
و قال المحقّق الخمينيّ رحمه الله: «و لو تاب بعد الإقرار فلا يبعد تخيير الإمام في الإقامة و العفو، و الأحوط له الإقامة.»[١]
و استدلّ للمشهور بأنّ التوبة تسقط تحتّم أقوى العقوبتين- و هو الرجم- و أقوى الذنبين- و هو الزنا-/ إذا كان إثبات الزنا بإقرار الزاني، فسقوط تحتّم الأضعف- و هو الجلد ثمانين في الشرب- بها أولى.
و استدلّ لمقولة ابن إدريس رحمه الله و من تبعه بأنّ الحدّ ثبت على الشارب بإقراره، و مع الشكّ في سقوطه بالتوبة و عدم دليل صالح للإسقاط، نرجع إلى الأصل و هو الاستصحاب.[٢]
أضف إلى ذلك أنّ توبته هنا تكون في موضع التهمة، و هي دفع الحدّ عن نفسه، و القياس بباب الرجم في الزنا مع الفارق، و ذلك لأنّه قد يكون سقوط الأقوى للمبالغة في حفظ النفس، و عدم القتل، و إهلاك النفوس، فلا يلزم من سقوط مثله سقوط ما ليس كذلك مثل الجلد أو التعزير.[٣]
أقول: قد مرّ في مبحث الزنا[٤] أنّ الزاني إذا أقرّ على نفسه بالجريمة و ثبت بذلك الزنا ثمّ تاب من ذلك العمل، فإنّ الإمام مخيّر بين عفوه و إقامة الحدّ عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك، سواء كانت العقوبة جلداً أو رجماً، و هذا رأي المشهور، و كان هو المختار.
و خالف هناك في ذلك ابن إدريس رحمه الله و فصّل في المسألة بأنّه إن كان الحدّ الثابت عليه بالإقرار رجماً يوجب تلف نفسه، فالحكم هو تخيير الإمام، و إن كان الحدّ جلداً فلا يجوز العفو عنه و لا يكون الحاكم بالخيار فيه.[٥]
[١]- تحرير الوسيلة، ج ٢، ص ٤٨١، مسألة ٣.
[٢]- راجع: مسالك الأفهام، المصدر السابق.
[٣]- راجع: مجمع الفائدة و البرهان، ج ١٣، ص ٢٠٥.
[٤]- راجع: الجزء الأوّل من هذا الكتاب، صص ٣١١-/ ٣١٧.
[٥]- كتاب السرائر، ج ٣، ص ٤٤٤.