موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٥٥٧ - الباب المعلا
و أراد الفاروق الأعظم في عهد خلافته أن يقسمها بين المسلمين و أن يوزعها عليهم إلا أن أبا شيبة بن عثمان- رضي اللّه عنه المنان- قال له:
«يا عمر: كيف تتنكب أثر النبي الكريم و الصديق المحترم؟ و قد نبتا في حياتهما على الاحتفاظ بتلك الأموال فى خزينة بيت اللّه «فصدق على قوله قائلا: «إنهما قدوة الأنام و إمامان واجبا الاحترام و يجب علينا أن نقتدي بآثارهما «و قرر على حفظ تلك الأموال فى خزينة كعبة اللّه.
و في الواقع لم تمتد يد إلى خزانة بيت اللّه فترة طويلة بناء على القرار السابق، و لكن وآ أسفاه أن الثائر «حسين الأفطس» [١] هجم على مكة المشرفة و استولى عليها بتحريض خبيث من بعض السفلة و أخذ الأموال المحفوظة في خزينة بيت اللّه منذ الفتح قائلا: ما جدوى هذه الأموال للكعبة؟ إننى سآخذها و أنفقها فى أمور الجهاد، ثم ابتدر في تبذيرها و توزيعها كما يحلو له منذ ذلك الوقت انقطع إرسال الهدايا إلى خزينة بيت اللّه من قبل الملوك إذ غلبت عليهم فكرة ظهور غاصب آخر يستولى على الهدايا المرسلة لبيت اللّه المعظم.
و بعد نهب حسين الأفطس الأموال التي كانت مدخرة في خزينة بيت اللّه المعظم و إنفاقها باثنين و خمسين سنة بعد هذا الحادث، ظهرت فتنة إسماعيل السفاك.
قد رفع السفاك المذكور علم العصيان بغتة و هجم على مكة ففرّ و اليها ثم اقتحم مقر الحكومة و نهب كل ما يخص من أموال الوالى و أتباعه و أشياعه و كسوة كعبة اللّه و خزينتها و جمع من الأهالى مائتى ألف قطعة ذهبية بالقوة و اتجه إلى دار الهجرة و هو يقصد قتل حاكم المدينة المنورة إلا أن الحاكم قد عرف قدومه فاختفى عن الأعين فعاد السفاك يائسا آيسا إلى مكة حيث ضيق على أهلها و حاصرهم فكان سببا فى موت كثير من الأبرياء من العطش و الجوع. و أغار فى فترة ما على جدة و نهب أموال التجار و تجرأ على أن يقطع طريق مكة و أن يعلن الحرب على الحجاج الذين ذهبوا إلى عرفات لأداء شعائر الحج و قتل منهم ألف
[١] انظر: تاريخ الطبرى ٨/ ٥٣٦- ٥٣٨.