موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٥٤١ - رواية
خفيفة و جاء من الجبال المتسلسلة التى تحيط بمكة و كان المطر قد انقطع تماما فى أثناء ظهور السيل.
و إن لاح فى بدء ظهوره سيلا خفيفا إلا أنه أخذ يتزايد بالتدريج، و تدفق تدفقا مرعبا و دام مدة طويلة حتى دخل المسجد الحرام، و جاوز ارتفاع المياه العتبة العليا لباب الكعبة السعيدة بذراع واحد، و دامت الحالة هكذا مدة أربع و عشرين ساعة، و أخذ جريان المياه يقل شيئا فشيئا حتى انقطعت المياه و وجد فى ساحة الحرم الشريف ما يقرب من خمس و عشرين جثة.
و كان فى ناحية المعلى شجرة جوز تحتها مقاهى متعددة، و عندما بدأ السيل و ظهرت المياه تسلقها ما يقرب من مائة و خمسين نفرا من رواد المقاهى خائفين على أرواحهم من هول المنظر.
و حينما اكتسب جريان السيل شدة كان فى ظل الشجرة بضعة مقاهى؛ و لكن السيل المرعب قد اقتلع الدوحة العظيمة من جذورها و جرفها إلى أمام باب الصفا، و المساكين الذين لجأوا لأغصانها حماية لأرواحهم كان مصيرهم الغرق.
كما هلك غير هؤلاء كل هؤلاء الذين تصادف وجود حوانيتهم و منازلهم على حافة جريان السيل، إذ انهدم ما يقرب من مائة و خمسين من تلك المنازل و الحوانيت و فى داخلها أصحابها و لا يحصى عددهم إلا اللّه.
و قد امتلأت البركة اليمانية الكائنة فى الجهة الجنوبية لمكة المعظمة المقدسة بجثث الدواب النافقة و قد ثبت نفوق خمسة آلاف من الحيوانات التى تصادف وجودها فى طريق السيل.
و بعد انقطاع السيل المفزع فتح طريق يسمح بالطواف حول البيت و ذلك بهمة والى مكة المكرمة و شهامته، و استعين بهذا الطريق لتنظيف جميع أرجاء الحرم الشريف و تطهيرها؛ إلا أن النظافة لم تصل إلى الحد المطلوب كما أن مجارى