موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٨٥٥ - الاستطراد
فإنهم لا يستطيعون القتال، فإذا ما خرج جنودكم فى الصحارى تاركين راحتهم يموتون مثل السمك الذى خرج من الماء.
و العساكر الكثيرة الذين سقتهم علينا مثل النمل قد أصابهم التعب و الضعف منذ خروجهم من بغداد، و انهزامهم فى أول حرب أكبر دليل يؤيد رأيى، إذا ما أرسلتم جنودا أشجع ممن أرسلتم و أكثر مما سأجهزه أنا من العساكر فإننى أهرب من أمامهم بعد أن أتعبهم، كما أننى أتصدى لهم فى مضيق ضيق فأقطع خط رجوعهم، و أهزمهم و أولى بكم ألا تشغلوا أنفسكم بى، و لا تهلكوا جنودكم عبثا، و قد حقنت دمك حتى توصل هذه الأقوال بالتفصيل إلى الخليفة، دون أن تنقص منها كلمة ثم أطلق سراحه و خلّى سبيله.
و قد عاد عباس بن عمرو الغنوى إلى بغداد و هو فى شدة الحيرة من نجاته من يد أبى سعيد. و لما أبلغ عباس ما قاله أبو سعيد إلى المقتدر باللّه بالتفصيل خاف الخليفة، و اضطرب و لم يستطع أن يذكر اسم القرامطة بلسانه مدة طويلة.
و مع هذا استطاع أن ينقذ أهالى الكوفة من اعتناق مذهب القرامطة، إذ ظهرت جماعة من القرامطة و أخذوا فى إضلال الناس فى الكوفة، و بعث الخليفة بجنود من مركز الخلافة و قوة عسكرية قضت على هذه الجماعة.
و انتقل أبو سعيد فى سنة ٣٠١ ه إلى دار البوار [١] بعد أن ارتكب كثيرا من الجرائم إلى تلك السنة تاركا ميدان الخباثة و الشقاء إلى ابنه الكبير سعيد.
و تولى ابنه سعيد مكانه بعد وفاته، إلا أنه ما كان يشبه أباه فى إلحاق الأذى بالناس، فتولى تدبير الأمور ابنه الأصغر سليمان أبو طاهر، و كان ظلوما غشوما سفاحا، فاستولى على الإحساء و القطيف و سائر بلاد البحرين و نواحى هجر، و بعد أعوام عشرة أغار ليلا على مدينة البصرة، و أثناء مقامه فيها سبعة عشر يوما قتل كل من صادفه، و أعمل السلب و النهب فى الناس جميعا، و كان ذلك عام ٣١١ ه، و بعد عام من تلك الواقعة المؤلمة أغار على قافلة الحجاج و نهبها.
[١] يقول الذين يروون كيفية هلاك هذا الرجل: كان أبو سعيد قد دخل الحمام فى خلال السنة المذكورة فضربه أحد خدمه الذى عانى من سوء معاملته على رأسه بفأس و قتله.
إن هذا الخادم بعد أن قتل هذا الخبيث قتل أربعة من رؤساء القرامطة و لما شاع هذا الخبر قتل هذا الخادم.