موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٦٣٣ - لطيفة
السلطان سليمان انتهى فى عهد السلطان سليم، و غبطت بلدة اللّه بكثرة مياهها، و دخل ماء عرفات فى داخل المدينة، و روى الحجاج العطاش و أخذ أهالى مكة المكرمة و المجاورون ذوى الاحترام يحتفلون، و يحث بعضهم البعض على الدعاء بالخير للسلطانين المشار إليهما و يقولون: إن الأعمال الخيرة الجميلة التي لم يقدر على القيام بها أى واحد من السلاطين السابقين و الخلفاء المعتمدين، قد قدرت و يسرت لهذين السلطانين العظيمين.
و فى اليوم الذى وصل فيه الماء إلى المدينة المقدسة مكة اللّه أقام المفتى السابق الذكر حسين بن أبى بكر الحسينى فى رياض الأبطح لجميع الأهالى وليمة عظيمة، و ذكر جهود السلطان و فتح صنابير جميع الينابيع و ملأ مستودعات مياه الينابيع بحلو الشراب و سقى الأهالى، و استجلب الدعوات لطول بقاء الدولة العثمانية.
و مما يروى عن ثقة أن الأطعمة التى قدمت فى هذه الوليمة كانت عظيمة وافرة إذ نحر مائة جمل و مثلها من الأغنام، و أقيمت الخيام لجلوس القوم كل حسب مكانه و شرفه و دعا إليها أعيان القوم و أشرافهم و علماءهم و صلحاءهم، و قدم لهم الطعام و بعد الطعام ألبس المهندسين و مهرة العمال الخلع، و وزع على الآخرين العطايا السنية و أبلغ بكل ما تم عمله لجلب قلوب الناس إلى السلطان الموصوف بمكارم الأخلاق، فما كان من السلطان إلا أن أرسل الخلع الفاخرة و عطايا كثيرة من إستانبول لتوزيعها على الذين خدموا فى توصيل العين المذكورة بجد و صدق من الأهالى. أما المفتى الشافعى القاضى حسين بن أبى بكر الحسينى المشهود له عند الجميع بجهوده العظيمة و عظيم بلائه فقد كرم أعظم تكريم مما ملأ قلبه بالعظمة و السرور، و فى حقيقة الأمر إن أهل مكة كانت حاجتهم شديدة إلى ماء جار مثل عرفات؛ لو لم توصل كريمة السلطان مهرماه عين زبيدة إلى مكة المكرمة لما بقى لأهل مكة إلا واحدا من الحلين الاثنين: إما أن ينتقل أهل مكة إلى بلاد أخرى يهاجروا إليها، و إما أن يتحدوا جميعا و يصرفوا كل ما فى جهدهم ليطهروا مجرى عين زبيدة و العمل على جلبها من جبل الرحمة.