موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٦٢٨ - لطيفة
و إن كان جلب الماء من الوديان البعيدة التى تحيط بها المهالك و المعاطب اقتصر على السّراة من أصحاب الثروات الطائلة فقد انصرفت طائفة الفقراء و المستضعفين عن طلب كسرة الخبز و لم يعد لهم من مطلب سوى الماء.
فضلا على استحواذ المحتكرين من الأثرياء على الماء الذى يجلبه السقاءون، و كانوا يبيعونه بباهظ الأثمان فأفعموا جعبة حرصهم و بخلهم.
و فى أواخر عام ٩٣٠ جرى قضاء اللّه بأن تنقطع كذلك مياه الأودية البعيدة و لذا بيعت القربة الصغيرة من الماء التى يمكن حملها بإصبع بدينار من ذهب، و وقف الموحدون فى ساحة السعادة فى جبل الرحمة و قد نال منهم الظمأ حد أنهم كانوا على استعداد للتضحية بأرواحم فى سبيل الحصول على الماء.
و لما بلغ شح الماء ذلك الحد لزم الحجاج- الذين أحرقت أكبادهم من نار الظمأ- و السكون يغمرهم الاستغفار و ما كان إلا أن انتظروا نزول رحمة الرحمن الرحيم، و بدءوا يبسطون أكف الضراعة بدعاء الاستسقاء، و وقع دعاء الحجاج موقع القبول و الاستجابة لدى ربهم، فانهمر المطر مدرارا كما لم ينهمر من قبل و بصورة لم يسمع عنها الشيوخ من قبل، و جرى السيل تحت أرجلهم، و أخمدوا نار ظمئهم، و بعد أن ملأوا قربهم و سقوا حيواناتهم و دوابهم انخرطوا فى شديد البكاء.
و عندما نما إلى علم السلطان سليمان خان سلطان الزمان معاناة المؤمنين شح المياه و اضطرابهم فى ساحة عرفات و تخرب مجارى المياه على النحو الذى أسلفناه أصدر أوامره بتطهير طرق عين عرفات و عين حنين و تسويتهما. و أسند هذه المهمة لمن يسمى مصلح الدين أفندى و هو من مجاورى بلدة اللّه، ثم أخطرت إمارة مكة المكرمة من قبل الباب العالى و أحضرت علامات الإمارة إلى مصلح الدين أفندى، و عهد إليه بالمهمة المذكورة بتفويض من السلطان عالى المقام.
و فى عام ٩٣١ بدأ مصلح الدين أفندى يعد العدة لتلك المهمة فطهر مجارى مكة و عمرها على خير وجه، ثم أصلح البرك و الأحواض فى عرفات مكة