الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٥٨ - الأزهري كما ينبغي أن يكون
حتى تصير الفضيلة شعارا و ملكة، و حتى تصدر أعمال الخير من غير تعمل و روية. و من لوازم الداعي و المرشد أن يكون شجاعا صادقا قوي الإيمان بما يدعو إليه يرى في الإقدام لذة، و حقا للنفس الخيرة يؤديه احتسابا للّه لا على أنه مكلف به، يؤديه للأجر و زيادة الدرجات و المرتبات، و من حق الداعي أن يكون بصيرا بالوسط الذي يعيش فيه، خبيرا بأحوال النفوس، واسع الحيلة في التنقل من طريق إلى طريق، يقصد إلى الهداية المطلوبة من طريقها النافع. و ليس أفعل في النفوس من جلال تسكبه التقوى و ملازمة حدود اللّه، و من جمال يلقيه العلم الناضج على صاحبه، و من هيبة يوجدها الإعراض عن الدنيا و عدم الحرص عليها، و قد شاهدنا فقراء ليس لهم جاه رسمي، و لا عزة عصبية، يهابهم أصحاب المقامات الرفيعة و الأموال المكنوزة، و ينكمشون أمام هيبتهم التي بسطتها التقوى وزانهم بها العزيز الحكيم.
و الحرص على الدنيا يفسد على العالم لذة العلم، و يفسد عليه الغاية التي يطلبها، و هي الهداية، و الناس لا شك زاهدون في العلماء إذا رأوهم مقبلين عليها معرضين عن الآخرة. فلتكن الدنيا مطلوبة بالقدر الذي تستحقه، و في الدرجة التالية لدراسة العلم و تحصيله و اللذة به نفسه، و باعتباره وسيلة من وسائل الآخرة، و طريقا لرضي اللّه و رسوله. و لقد كانت للأزهريين تقاليد متوارثة محمودة، و هي عطف الكبير على الصغير، و توقير الصغير للكبير، و احترام الأسلاف، و الصبر على الدرس و التحصيل، و تفهم المسائل بعللها و أسبابها و ما يتفرع عنها و يتولد منها، لا يبالون في سبيل ذلك بالوقت و الجهد و يرونه أكبر لذة للنفس و أكبر متاع للعقل، و يرونه واسطة المجد و طريق الشرف و الكرامة، و كان طالب العلم إذا لم يفهم كتابا أعاده، و إذا لم يفهم مسألة فتش عمّن يفهمها منه، و كانت اجتماعاتهم لا تخلو من المذاكرة في مسألة من مسائل العلم، و قد رأينا منهم من كان أهلا للتدريس و للتقدم للامتحان و كان يحجم لأنه يريد الاستزادة و تكميل النفس،