الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٩٧ - الأزهر في القرن العشرين
و قد نكل الإنجليز و توفيق بعد ذلك بعلماء الأزهر تنكيلا شديدا.
و استمر شيوخه لا يبالون بالحكام من أسرة محمد علي، و لهم في ذلك مواقف مشهورة، حتى قامت الثورة المصرية عام ١٩١٩. فنبعت من قلب الأزهر، و اشتعلت شرارتها في صحته، و انبثق من منبره و محرابه فجر الحرية لشعبنا المجيد الذي نال ما تمناه بفضل كفاحه الطويل العتيد.
و لا ننس موقف الشيوخ الثلاثة: عبد المجيد سليم و مأمون الشناوي و إبراهيم حمروش، من سياسة القصر و عبثه بقوانين الأزهر و استقلاله و حريته، و كيف أصدروا بيانا مطبوعا موجها إلى العالم الإسلامي، ينددون فيه بفاروق و رئيس ديوانه و رئيس وزرائه، و يسجلون عليهم في صراحة تدخلهم في شئون الأزهر و عبثهم بقوانينه. و للشيخ عبد المجيد سليم عند ما هدده رئيس الديوان بالخطر كلمة مأثورة خالدة: ما دمت أتردد بين بيتي و المسجد فلا خطر بإذن اللّه، و له كلمة أخرى ندد فيها بفاروق و عبثه و مجونه عند ما أقام في كابري لاهيا عابثا، قالها الشيخ و أعلنها و سارت مسير الأمثال، و هي: «تقتير هنا و إسراف هناك».
هذه قطرة من كفاح الأزهر و أدائه لرسالته، و للأمانة الملقاة على كواهل علمائه نحو الشعب. و هي تصور لنا في وضوح روح الأزهر و جوهره و سر خلوده و بقائه شاهق الذرى على مر الأجيال، راسخا يرسل الضوء و النور و الهدى إلى كل مكان رسوخ الجبال الراسيات. و هل هناك أروع من أن يصدر شيخ معمم فتوي ببيع أمراء المماليك الأتراك ليصرف ثمنهم في مصالح المسلمين، لأن حكم الرق سار عليهم، و هم أرقاء لسادتهم من أبناء مصر، لأن السلطان اشتراهم من مال الدولة، و لا يزال حكم الرق مستصحبا عليهم. و كان من جملة هؤلاء الأمراء نائب السلطنة، و كلهم أصحاب حكم، و سلطان و نفوذ و جاه، و كان ذلك في منتصف القرن السابع الهجري، و بعد منتصف القرن الثاني عشر الميلادي بقليل، و كان هذا