الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٠٦ - بيئته و أثرها في حياته
مذهب مالك إلى مذهب أبي حنيفة لأنه المذهب الرسمي للحكومة و عليه القضاء و الفتيا، و ظل ينازع نفسه، و يغالب السأم و الملال من الدراسات المعقدة و الأساليب الملتوية، حتى حصل على شهادة العالمية في عام ١٢٩٤ ه، و قد انتزعها انتزاعا بعد معارضة بعض العلماء في منحة إياها لجرأته و صراحته، و زرايته بنظم الأزهر و طريقة التدريس فيه في ذلك الوقت، و اصطدامه ببعض شيوخه و مخالفتهم في كثير من الآراء و العقائد.
ثقافته و أساتذته:
كان الإمام ذكيا ألمعيا يتمتع بذهن متوقد، و فكر ثاقب، و نفس طلعة متحررة، لا تحب القيود، و لا تخضع لما تواضع عليه الناس، فمال إلى التزود بجميع أنواع الثقافات، و فتن بالعلوم العقلية و اللسانية و الأدبية، و استقى الدين من منابعه الأولى، ضاربا صفحا عما ابتدعه العلماء من مذاهب و عقائد، و ما أدخلوه في الدين من بدع و أساطير و خرافات.
اقتنع الشيخ بانحراف العلماء عن سنة السلف، و مال إلى الدراسة الاستقلالية الحرة، و شغف بالتاريخ و المنطق و الفلسفة الإسلامية، و الرياضة و الفلك، و تلمس السبل لفهم ما استعصى عليه، فاتصل و هو طالب بعالم فحل اسمه الشيخ حسن الطويل، و لازمه و أفاد منه، و وجد عنده ما افتقده عند غيره من العلماء فلم يظفر به، و اتصل كذلك بجمال الدين الأفغاني منذ وفد علي مصر و أخذ عنه الأدب و التوحيد و المنطق و أصول الفقه و الفلسفة و غير ذلك من العلوم- كما أخذ عنه آراءه في السياسة و الاجتماع، و ثورته على ظلم الحكام و استبداد الولاة، و دعوته إلى نظام شورى إسلامي يقضي على المطامع و النفعية و الاستغلال.
بيئته و أثرها في حياته:
نشأ الشيخ في عصر يموج بالأحداث و الأعاصير، و تتوالى فيه الكوارث السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية. فقد كبل إسماعيل البلاد