الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩٣ - الأزهري الشيخ سليمان الجوسقي
قال الطالب: و هل عرف شيخنا على أحد منا سوءا في دينه، أو تفريطا في حق من حقوقه؟!
قال الشيخ: و ما ذا بقي هناك من حقوق دينكم؟ و أي أثر لذلك في نفوسكم؟ لقد جل الخطب حتى أوشك أن لا يبقى من هذا الدين بقية تتصل بأرواحكم، هؤلاء هم الفرنسيون الكفار قد وطأوا بلادكم فسكتم، ثم انتهبوا دوركم و أموالكم فأذعنتم، ثم انتهكوا حرماتكم و أعراضكم فرضيتم و صبرتم، و ها هم أولاء- فيما عرفت- يعمدون إلى تغيير نظام المواريث في دينكم، فيجعلون حق الإرث كله للبنت و ليس للولد منه شيء كما هو شرعهم، و متى بطل جزء من الشريعة فإنها جميعها لا بد صائرة إلى المسخ و الزوال، و إنكم لصائرون غدا أرقاء في خدمة هؤلاء الفرنسيس الكفار، و بكم تكون نهاية هذا الدين، و زوال الملة، و نعوذ باللّه من هذا الزمان.
و سرت بين الطلاب همهمة و غمغمة، و ارتفعت الصيحات استنكارا لتلك النازلة الساحقة التي حلت بالمسلمين في دارهم، و وقف بعض الطلاب يتكلمون، فمنهم من يلقي اللوم على أولئك المماليك الجبناء الذين فروا من مواجهة العدو و تركوا الشعب يتلظى في أتون المعركة، و منهم من يعتب على دولة بني عثمان التي تركت الفرنسيين يصلون إلى فتح هذه الديار، و منهم من يسب الخائنين و المارقين من أبناء الطوائف الدخيلة على البلاد لأنهم تعاونوا مع العدو و مكنوه من رقاب الشعب، و منهم من يقول:
إنه غضب اللّه على المسلمين جزاء ما فرطوا في دينهم، و حقوق ملتهم.
و عاد الشيخ الجوسقي يتكلم فقال: حسبكم يا أبنائي هذا الضجيج على غير طائل، إننا اليوم لسنا في مقام توزيع التبعات و ليس من الحكمة أن نترك السفينة تهوي إلى القاع و نحن مشغولون بمعرفة الملوم في هذه الكارثة، و إنما الواجب أن نفزع لدفع النازلة التي حلت بنا ثم نصفي أمورنا