الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٧٩ - الشيخ محمد الحفني شيخ الأزهر
قد شق عليه، خوفا من أن يشغله النسخ عن متابعة إقراء العلم، و لكنه لم يستمر طويلا حتى أذن اللّه فجاءه الفرج و أقبلت الدنيا عليه، و صار رزقه فيضا إلهيا، فاتجه بكليته إلى العلم و عقد الدروس، و قرأ جمع الجوامع للعلامة السبكي، و الأشموني على الألفية و مختصر السعد، و حاشية حفيده عليه. و ابن عبد الحق على البسملة، و غيرها.
و اشتغل بعلم العروض، حتى برع فيه و أجاد نظما و نثرا، حتى عرف بالفصاحة، و جودة البيان، و كثيرا ما كان يرتجل الشعر، فمن ذلك قوله:
أتطلبون رضائي الآن عن نفر* * * قلوبهم بنفاق لم تزل مرضى
تجاهروا بقبيح الفسق، لا ربحوا* * * إن كنت أرضى، فإن اللّه لا يرضى
و من نثره: من رسالة لبعض تلاميذه في الطريق، و قد جمعت بين قوة الأسلوب و عذوبة اللفظ، و ضمت إلى حسن التوجيه، نهجا عاليا في التربية و التهذيب، قال فيها:
«.. و من زاد عليك إقباله، و توجهت إليك بالصدق آماله، فاصرف قلبك إليه، و عول في التربية عليه، و من عنك بهواه صد، بعد أخذك عليه وثيق العهد، فدعه و لا تشغل به البال، و أنشده قول أستاذنا (أي السيد مصطفى البكري) لمن عن طريقنا قد مال:
ألم تدر أنا من قلانا سفاهة* * * تركناه غب الوصل يعمى بصده
و من صدعنا حسبه الصد و الجفا* * * و إن الردى أصماه من بعد بعده
و من فاتنا يكفيه أنا نفوته* * * و أنا نكافيه على ترك حمده
و إنا غدا لما نعد محبنا* * * و اتباعنا لسنا نهم بعده
و من أردت زجره للتربية و إرشاده، فليكن ذلك على انفراد، إذ هو أرجى لإسعاده، و لا تزجر بضرب و لا نهر بين الناس، فإن ذلك ربما أوقع المريد من اليأس، و لا تلتفت لمن أعرض، و لا لمن يصحبك لغرض،