الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٧٢ - ابن السّبكى
الذهبي- فيما ينقل عنه السبكي:
«القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء، كان صادقا ثبتا خيرا دينا، من أوعية العلم، يدري الفقه و يقرره، و علم الحديث و يحرره، و الأصول و يقربها، و العربية و يحققها». و يكفي دليلا على علم هذا الرجل أنه كان الوحيد من بين علماء عصره الذي تصدى لابن تيمية- على عنفه و شدته- ورد عليه في مسألتي الطلاق، و زيارة قبر النبي عليه الصلاة و السلام، و هما المسألتان اللتان زعزع بهما ابن تيمية كيان العلماء في عصره. فرد عليه الإمام السبكي في مسألة الطلاق برسالتين: رافع الشقاق في مسألة الطلاق. و التحقيق في مسألة التعليق. ورد عليه في الزيارة برسالة: شفاء السقام في زيارة خير الأنام. أو شن الغارة على من أنكر السفر للزيارة. و يقول فيه ابن تيمية: «لقد برز هذا على أقرانه».
و قد نبغ صاحبنا تاج الدين في منتصف القرن الثامن الهجري- عصر الموسوعات العلمية، هذا العصر الذي كان بمثابة الصحوة الفارهة بعد النكسة التي أصابت العالم الاسلامي، و التي كادت تأتي على تراثه الضخم العريض، إبان الغزو التتري الكاسح.
و قد ولد تاج الدين بالقاهرة، و نسب إلى قرية سبك من أعمال المنوفية. و لم ينصرف الفتى في صباه إلى اللهو و اللعب، كما يفعل لداته و أترابه، فقد هدهد سمعه في سن تفتحه وفود العلماء، تفد إلى بيت أبيه، تنشد العلم و تطلب الفتيا. فأقبل على ألوان المعرفة يحصلها على مهل و اتئاد في الأزهر الشريف حتى اكتملت له أدوات العالم المجتهد. و كان مجلى هذه الثقافة الواسعة العريضة في نهاية الشوط موسوعة علمية ضخمة، لمت أطراف الثقافة العربية، و جلتها على نحو معجب خلاب، على امتداد سبعة قرون في كتابه الخالد «طبقات الشافعية الكبرى».
لقد انفسح هذا الكتاب العظيم من خلال ترجمته لرجال المذهب