الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٥٨ - الأزهر و رسالة الإسلام
و الذين يتأملون هذه الصورة الفقهية و يقيسونها إلى ما يتراءونه اليوم في دنيا الناس من الحديث عن الحرية و التشدق بها. لا يكادون يجدون لها مثيلا في خيال شاعر أو قلم كاتب أو واقع شعب.
و وجه القوة هنا أن الفقيه المسلم وضع تعصبه للحرية قبل تعصبه لدينه على ما في التعصب للدين من قوة قاهرة و سلطان عظيم.
و أما الدعامة الثانية: و هي العدالة الاجتماعية فإنها تستند في نفس المسلم الى العقيدة التي يدين اللّه عليها. و تطرق سمعه كل يوم آيات اللّه في الدعوة الى العدل و احترامه و تكريمه بحيث يرى الدنيا بغير عدل شبحا بغير حقيقة و جسما بغير روح.
و من أفضل ألوان العدل التي جاء بها الإسلام العدل في توزيع الثروة و يعتبر من أدق صور العدل في المجال الاقتصادي. و كذلك من أجل ألوان العدل التي جاء بها الإسلام أيضا العدل الذي يقوم على التفاضل بين الناس على قدر ما يقدم الإنسان للمجتمع من خير و ليس على قدر انتسابه إلى لون خاص أو جنس خاص أو عرق خاص. فذلك قول اللّه تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ.
فهذه الصورة من العدل الذي دعا إليه الإسلام و قامت بالدعوة إليه جامعة الأزهر مدة ألف عام أمانة في أعناقنا، لا لشعوبنا وحدها و لكن للإنسانية جمعاء.
فإن الإنسانية لم تتعرض لمحنة بالغة و ابتلاء شديد كما تعرضت لمحنة التفاضل بالألوان و الأجناس و العروق. فإذا كان لا بد للناس أن يطلبوا السعادة و أن يحرصوا عليها فلا بد لهم قبل كل شيء أن يعملوا على وأد هذه الثغرة، و خنق الدعوة إلى العنصرية القائمة على الأجناس و الألوان و العروق.