البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٨٢ - الأنفال آية ٣٣- ٣٢
مُحَمَّدُ بْنُ صَدَقَةَ،قَالَ:قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ،عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ،قَالَ: سَأَلْتُ مَوْلاَيَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ فَلَوْ شٰاءَ لَهَدٰاكُمْ أَجْمَعِينَ [١].
فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ الَّتِي تَبْلُغُ الْجَاهِلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيَعْلَمُهَا بِجَهْلِهِ كَمَا يَعْلَمُهَا الْعَالِمُ بِعِلْمِهِ،لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمُ وَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَ أَحَداً إِلاَّ بِحُجَّةٍ».
ثُمَّ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ حَتّٰى يُبَيِّنَ لَهُمْ مٰا يَتَّقُونَ [٢]ثُمَّ أَنْشَأَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مُحَدِّثاً،وَ ذَكَرَ حَدِيثاً طَوِيلاً،وَ قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِيهِ:«أَقْبَلَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ فَسَلَّمَ،فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِذَا كُنْتَ سَيِّدَ وُلْدِ آدَمَ وَ أَخُوكَ سَيِّدَ الْعَرَبِ،وَ ابْنَتُكَ فَاطِمَةُ سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ،وَ ابْنَاكَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ،وَ عَمُّكَ حَمْزَةُ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ،وَ ابْنُ عَمِّكَ ذَا جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ،وَ عَمُّكَ الْعَبَّاسُ جِلْدَةً بَيْنَ عَيْنَيْكَ وَ صِنْوَ أَبِيكَ،وَ بَنُو شَيْبَةَ لَهُمُ السِّدَانَةُ،فَمَا لِسَائِرِ قَوْمِكَ مِنْ قُرَيْشٍ وَ سَائِرِ الْعَرَبِ؟فَقَدْ أَعْلَمْتَنَا فِي بَدْءِ الْإِسْلاَمِ أَنَّا إِذَا آمَنَّا بِمَا تَقُولُ كَانَ لَنَا مَا لَكَ،وَ عَلَيْنَا مَا عَلَيْكَ.
فَأَطْرَقَ رَسُولُ اللَّهِ طَوِيلاً،ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ،ثُمَّ قَالَ:مَا أَنَا وَ اللَّهِ فَعَلْتُ بِهِمْ هَذَا،بَلِ اللَّهُ فَعَلَ بِهِمْ،فَمَا ذَنْبِي؟فَوَلَّى النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَ هُوَ يَقُولُ:اَللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَقَالَةَ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ،وَ هُوَ يَقُولُ: اَللّٰهُمَّ إِنْ كٰانَ هٰذٰا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنٰا حِجٰارَةً مِنَ السَّمٰاءِ أَوِ ائْتِنٰا بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ وَ نَزَلَتْ هَذِهِ: وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ .
فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلَى النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ الْفِهْرِيِّ،وَ تَلاَ عَلَيْهِ الْآيَةَ،فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنِّي قَدْ أَسْرَرْتُ ذَلِكَ جَمِيعَهُ،أَنَا وَ مَنْ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مَا جَعَلْتَهُ لَكَ وَ لِأَهْلِ بَيْتِكَ مِنَ الشَّرَفِ وَ الْفَضْلِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ،فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ مَا أَسْرَرْنَا،أَمَّا أَنَا فَأَسْأَلُكَ أَنْ تَأْذَنَ لِي فَأَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ،فَإِنِّي لاَ أُطِيقُ الْمَقَامَ.فَوَعَظَهُ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ:إِنَّ رَبَّكَ كَرِيمٌ،فَإِنْ أَنْتَ صَبَرْتَ وَ تَصَابَرْتَ لَمْ يُخْلِكَ مِنْ مَوَاهِبِهِ،فَارْضَ وَ سَلِّمْ،فَإِنَّ اللَّهَ يَمْتَحِنُ خَلْقَهُ بِضُرُوبٍ مِنَ الْمَكَارِهِ،وَ يُخَفِّفُ عَمَّنْ يَشَاءُ،وَ لَهُ الْأَمْرُ وَ الْخَلْقُ،مَوَاهِبُهُ عَظِيمَةٌ،وَ إِحْسَانُهُ وَاسِعٌ.فَأَبَى النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَ سَأَلَهُ الْإِذْنَ،فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
فَأَقْبَلَ إِلَى بَيْتِهِ،وَ شَدَّ عَلَى رَاحِلَتِهِ رَاكِباً مُتَعَصِّباً [٣]،وَ هُوَ يَقُولُ:اَللَّهُمَّ،إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ،أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.فَلَمَّا مَرَّ بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ،وَ إِذَا بِطَيْرٍ فِي مِخْلَبِهِ حَجَرٌ فَجَدَّلَهُ،فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِ، فَوَقَعَ عَلَى هَامَتِهِ،ثُمَّ دَخَلَ فِي دِمَاغِهِ،وَ خَرَّتْ فِي بَطْنِهِ[حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ دُبُرِهِ،وَ وَقَعَتْ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ وَ خَرَّتْ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَطْنِهَا]فَاضْطَرَبَتِ الرَّاحِلَةُ وَ سَقَطَتْ وَ سَقَطَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ عَلَيْهَا مَيِّتَيْنِ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ* لِلْكٰافِرينَ بِعَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ آلِ مُحَمَّدٍ(صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ)
[١] الأنعام ٦:١٤٩.
[٢] التوبة ٩:١١٥.
[٣] في المصدر:ثم ركبها مغضبا.