البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٥٥ - الأعراف آية ٥٠- ٤٦
جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي السَّنَةِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ،وَ كَانَ مَعَهُ نَافِعٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،فَنَظَرَ نَافِعٌ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي رُكْنِ الْبَيْتِ وَ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ،فَقَالَ نَافِعٌ:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،مَنْ هَذَا الَّذِي قَدْ تَدَاكَّ عَلَيْهِ النَّاسُ؟فَقَالَ هَذَا نَبِيُّ أَهْلِ الْكُوفَةِ،هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ:اِشْهَدْ لَآتِيَنَّهُ فَلَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ مَسَائِلَ لاَ يُجِيبُنِي فِيهَا إِلاَّ نَبِيٌّ،أَوِ ابْنُ نَبِيٍّ،أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ.قَالَ:فَاذْهَبْ إِلَيْهِ فَاسْأَلْهُ،لَعَلَّكَ تُخْجِلُهُ.
فَجَاءَ نَافِعٌ حَتَّى اتَّكَأَ عَلَى النَّاسِ،ثُمَّ أَشْرَفَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فَقَالَ:يَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ،إِنِّي قَرَأْتُ التَّوْرَاةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ الزَّبُورَ وَ الْفُرْقَانَ،وَ قَدْ عَرَفْتُ حَلاَلَهَا وَ حَرَامَهَا،وَ قَدْ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسَائِلَ،لاَ يُجِيبُ فِيهَا إِلاَّ نَبِيٌّ،أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ،أَوِ ابْنُ نَبِيٍّ.قَالَ:فَرَفَعَ أَبُو جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)رَأْسَهُ فَقَالَ:«سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ».
فَقَالَ:أَخْبِرْنِي كَمْ بَيْنَ عِيسَى وَ مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنْ سَنَةٍ؟فَقَالَ:«أُخْبِرُكَ بِقَوْلِي أَوْ بِقَوْلِكَ؟»قَالَ:أَخْبِرْنِي بِالْقَوْلَيْنِ جَمِيعاً.فَقَالَ:«أَمَّا فِي قَوْلِي فَخَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ،وَ أَمَّا فِي قَوْلِكَ فَسِتٌّ مِائَةِ سَنَةٍ».
قَالَ:فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنٰا أَ جَعَلْنٰا مِنْ دُونِ الرَّحْمٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [١]مَنِ الَّذِي سَأَلَ مُحَمَّدٌ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عِيسَى خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ؟قَالَ:فَتَلاَ أَبُو جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)هَذِهِ الْآيَةَ:« سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بٰارَكْنٰا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا [٢]فَكَانَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي أَرَاهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مُحَمَّداً(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حَيْثُ أَسْرَى بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ حَشَرَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ،ثُمَّ أَمَرَ جَبْرَئِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فَأَذَّنَ شَفْعاً،وَ أَقَامَ شَفْعاً،وَ قَالَ فِي أَذَانِهِ:(حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ)ثُمَّ تَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فَصَلَّى بِالْقَوْمِ،فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُمْ:عَلَى مَا تَشْهَدُونَ وَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟قَالُوا:نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ،وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ،وَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَ مَوَاثِيقَنَا».
فَقَالَ نَافِعٌ:صَدَقْتَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ،وَ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً فَفَتَقْنٰاهُمٰا [٣].قَالَ:«إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا أَهْبَطَ آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ،وَ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ رَتْقاً لاَ تَمْطُرُ شَيْئاً،وَ كَانَتِ الْأَرْضُ رَتْقاً لاَ تُنْبِتُ شَيْئاً،فَلَمَّا تَابَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى آدَمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)أَمَرَ السَّمَاءَ فَتَفَطَّرَتْ بِالْغَمَامِ،ثُمَّ أَمَرَهَا فَأَرْخَتْ عَزَالِيَهَا [٤]،ثُمَّ أَمَرَ الْأَرْضَ فَأَنْبَتَتِ الْأَشْجَارَ وَ أَثْمَرَتِ الثِّمَارَ وَ تَفَهَّقَتْ [٥] بِالْأَنْهَارِ،فَكَانَ ذَلِكَ رَتْقُهَا،وَ هَذَا فَتْقُهَا».
فَقَالَ نَافِعٌ:صَدَقْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ:
[١] الزخرف ٤٣:٤٥.
[٢] الإسراء ١٧:١.
[٣] الأنبياء ٢١:٣٠.
[٤] أي انهمرت بالمطر.المعجم الوسيط-عزل-٢:٥٩٩.
[٥] تفهقت:أي اتسعت و امتلأت.و الظاهر أنّها تصحيف(تفتقت)