البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٥٨ - المائدة آية ٩١- ٩٠
وَ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فَجَلَسَ بِجَانِبِ الْمِنْبَرِ،وَ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ مَنْزِلَهُ،وَ عُمَرُ مَعَهُ،فَقَالَ لَهُ:يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ،لِمَ لاَ تُنْبِئُنِي أَمْرَكَ،وَ تُحَدِّثُنِي بِمَا دَهَاكَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:وَيْحَكَ يَا عُمَرُ،يَرْجِعُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بَعْدَ مَوْتِهِ حَيّاً وَ يُخَاطِبُنِي فِي ظُلْمِي لِعَلِيٍّ،وَ رَدِّ حَقِّهِ عَلَيْهِ،وَ خَلْعِ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ،فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:قُصَّ عَلَيَّ قِصَّتَكَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا.
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:وَيْحَكَ يَا عُمَرُ،وَ اللَّهِ لَقَدْ قَالَ لِي عَلِيٌّ إِنَّكَ لاَ تَدَعُنِي أَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَظْلِمَةِ،وَ إِنَّكَ شَيْطَانِي،فَدَعْنِي مِنْكَ.فَلَمْ يَزَلْ يَرْقُبُهُ إِلَى أَنْ حَدَّثَهُ بِحَدِيثِهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ.
فَقَالَ لَهُ:بِاللَّهِ-يَا أَبَا بَكْرٍ-أَ نَسِيتَ شِعْرَكَ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ،الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا صِيَامَهُ،حَيْثُ جَاءَكَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ،وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ،وَ نُعْمَانُ الْأَزْدِيُّ،وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ،فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ إِلَى دَارِكَ لِيَتَقَاضَوْكَ دَيْناً عَلَيْكَ،فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الدَّارِ سَمِعُوا لَكَ صَلْصَلَةً فِي الدَّارِ،فَوَقَفُوا بِالْبَابِ،وَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَيْكَ،فَسَمِعُوا أُمَّ بَكْرٍ -زَوْجَكِ-تُنَاشِدُكَ،وَ تَقُولُ لَكَ:قَدْ عَمِلَ حَرُّ الشَّمْسِ بَيْنَ كَتِفَيْكَ،قُمْ إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ،وَ ابْتَعِدْ عَنِ الْبَابِ،لِئَلاَّ يَسْمَعَكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَيُهْدِرُوا دَمَكَ،فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ مُحَمَّداً قَدْ أَهْدَرَ دَمَ مَنْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ،مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ،وَ لاَ مَرَضٍ،خِلاَفاً عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ،فَقُلْتَ لَهَا:هَاتِ-لاَ أُمَّ لَكِ-فَضْلَ طَعَامِي مِنَ اللَّيْلِ،وَ أَتْرِعِي الْكَأْسَ مِنَ الْخَمْرِ.وَ حُذَيْفَةُ وَ مَنْ مَعَهُ بِالْبَابِ،يَسْمَعُونَ مُحَاوَرَتَكُمَا [١]،فَجَاءَتْ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ مِنَ اللَّيْلِ،وَ قَعْبٍ مَمْلُوءٍ خَمْراً فَأَكَلْتَ مِنَ الصَّحْفَةِ،وَ شَرِبْتَ [٢] مِنَ الْخَمْرِ،فِي ضُحَى النَّهَارِ،وَ قُلْتَ لِزَوْجَتِكَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ [٣]:
ذَرِينِي أَصْطَبِحْ يَا أُمَّ بَكْرٍ
فَإِنَّ الْمَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشَامٍ
وَ نَقْبٌ عَنْ أَخِيكِ وَ كَانَ صَعْباً
مِنَ الْأَقْوَامِ شِرِّيبِ الْمُدَامِ
يَقُولُ لَنَا ابْنُ كَبْشَةَ سَوْفَ نُحْيَا
وَ كَيْفَ حَيَاةُ أَشْلاَءٍ وَ هَامٍ!
وَ لَكِنْ بَاطِلٌ مَا قَالَ [٤] هَذَا
وَ إِفْكٌ مِنْ زَخَارِيفِ الْكَلاَمِ
أَلاَ هَلْ مُبْلِغُ الرَّحْمَنِ عَنِّي
بِأَنِّي تَارِكٌ شَهْرَ الصِّيَامِ!
وَ تَارِكُ كُلِّ مَا أَوْحَى إِلَيْنَا
مُحَمَّدٌ مِنْ أَسَاطِيرِ الْكَلاَمِ
فَقُلْ لِلَّهِ يَمْنَعُنِي شَرَابِي
وَ قُلْ لِلَّهِ يَمْنَعُنِي طَعَامِي
وَ لَكِنَّ الْحَكِيمَ رَأَى حَمِيراً
فَأَلْجَمَهَا فَتَاهَتْ فِي اللِّجَامِ
فَلَمَّا سَمِعَكَ حُذَيْفَةُ وَ مَنْ مَعَهُ تَهْجُو مُحَمَّداً هَجَمُوا [٥] عَلَيْكَ فِي دَارِكَ،فَوَجَدُوكَ وَ قَعْبُ الْخَمْرِ فِي يَدِكَ،
[١] في الإرشاد زيادة:إلى أن انتهيت في شعرك.
[٢] في الإرشاد:و كرعت.
[٣] في الإرشاد:هذا الشعر.
[٤] في الإرشاد:قد قال.
[٥] في الإرشاد:قحموا.