فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٠٧ - الوجه الرابع ملازمة التجديد في الحقوق للتجديد في ماهيّة المعاملات
المثال الرابع: الوقف، كحبس السكنى و الرقبى و العمرى، فإنّ ملكيّة العين باقية على المالك، و كذلك ملكيّة المنافع، غاية الأمر أنّ المنافع المملوكة يتصدّق بها المالك بنحو التدريج على الموقوف عليه بحسب تجدّد وجود المنافع، و من ثمّ سمّيت صدقة جارية، أي تتابعٌ و جريانٌ في حدوث الصدقة بالمنافع، و لذا قيل في تعريف الوقف أنّه حبس العين و تسبيل المنفعة، فهو نوع من تحجير سلطنة المالك على ملكيّته.
و قبل الخوض في تحليل هذه الأمثلة و نحوها و استخراج الجواب منها ينبغي الالتفات مرّة اخرى إلى الفرق بين التجزئة في السلطنة تبعاً للتجزئة في الملك- كما في الإجارة، حيث أنّ المالك يجزّئ ملكيّته على المنافع و ينقل شعبة منها إلى المستأجر، فهذه الشعبة من ملكيّة المنافع المنقولة للمستأجر، سلطانها له بتبع التجزئة للملكيّة و ليس هذا محلّ الكلام- و بين التجزئة التي تكون في السلطنة مع بقاء الملكيّة على حالها؛ إذ يمكن التجزئة في السلطنة على الملك بتبع التجزئة في الملك هي مفاد «النّاس مسلّطون على أموالهم»؛ لأنّ موضوعه هو الملك، فإذا انوجد للغير بعض منه فينوجد له بعض السلطان بمقتضى ذلك العموم؛ لأنّ المنفعة مال من أمواله، و ملكيّتها من أملاكه، فله سلطان على ملكيّته فهو من باب إعدام الموضوع و إيجاده لشخص آخر، فينوجد المحمول، و هو السلطنة في القضيّة الشرعيّة التي موضوعها الملك.
أمّا في مثل حقّ السرقفليّة، فالمالك للدكان لا يُعدم ملكيّته لمنافع العين، و هي باقية في حوزته و ملكيّته، لكنّ السلطنة على الملكيّة يعطيها للغير الذي يشتري حقّ السرقفليّة، فيجزّئ السلطان من دون تجزئة الملك، و يجعل ولاية للغير على ملك نفسه، و هذا هو الإشكال الذي عبّروا عنه برجوعه إلى التشريع؛ لأنّ الوارد من الشارع هو أنّ النّاس لهم السلطنة على ملكيّتهم لا على أن يجعل للآخرين سلطنة على ملكيّتهم من دون إيجاد موضوع السلطنة، فيكون تشريعاً للمحمول بدون موضوعه، و هذا هو القسم الثاني من الحقوق المستجدّة التي تخلق سلطنة للغير مع بقاء الملك.