دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٠٢ - في الترجيح من حيث وجه الصدور
و أصرح من ذلك كلّه خبر أبي اسحاق الأرجاني قال: قال أبو عبد اللّه ٧: (أ تدري لم امرتم بالأخذ بخلاف ما يقوله العامّة؟)، فقلت: لا أدري، فقال: (إنّ عليّا صلوات اللّه عليه لم يكن يدين اللّه بشيء إلّا خالف عليه العامّة، إرادة لإبطال أمره، و كانوا يسألونه، صلوات اللّه عليه، عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم بشيء جعلوا له ضدّا من عندهم، ليلبسوا على الناس) [١].
الثالث: حسن مجرّد المخالفة لهم، فمرجع هذا المرجّح ليس الأقربيّة إلى الواقع، بل هو نظير ترجيح دليل الحرمة على الوجوب، و دليل الحكم الأسهل على غيره.
قال: قلت للرضا ٧: يحدث الأمر، لا أجد بدّا من معرفته، أي: لا مفرّ من معرفته للابتلاء به، و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك، فقال: (ايت فقيه البلد) الذي هو من علماء العامّة و استفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإنّ الحقّ فيه.
و لا يخفى أنّ هذا الجواب إنّما يجدي للسائل في صورة تردّده بين الأمرين، كغسل البول مرّة أو مرّتين، فإذا أفتى بالمرّة أخذ خلافها، أي: المرّتان و بالعكس لا في صورة تردّده بين امور، كغسله مرّة أو مرّتين أو مرّات، لأنه إذا أفتى بالمرّة مثلا تردّد خلافه بين المرّتين و المرات فيبقى التحيّر، و لمّا كان الغالب التردّد بين الأمرين علّمه الإمام ٧ هذا الطريق و قنع به السائل.
و أصرح من ذلك كلّه في الدلالة على حقّيّة خلافهم الشامل لصورة تعارض الخبرين خبر أبي اسحاق الأرجاني ... إلى آخره.
حيث بيّن الإمام ٧ فيه سبب الأخذ بما هو على خلاف العامّة من المتعارضين، كما مبيّن في المتن.
الثالث: حسن مجرّد المخالفة لهم، بأن يريد الشارع مخالفتهم تعبّدا لأقربيّة خلافهم إلى الحقّ.
فمرجع هذا المرجّح ليس الأقربيّة إلى الواقع، بل هو مرجّح خارجيّ تعبّدي؛ لأن المخالفة- حينئذ- دليل مستقل، نظير أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة في ترجيح دليل الحرمة على الوجوب، كما أشار إليه بقوله:
[١] علل الشرائع ٢: ٢٤٩/ ١. الوسائل ٢٧: ١١٦، أبواب صفات القاضي، ب ٩، ح ٢٤.