دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٥٣ - في حكم العقل بوجوب الأخذ بأحد المتعارضين تخييرا
بأن يكون قيام الخبر على وجوب فعل واقعا سببا شرعيّا لوجوبه ظاهرا على المكلّف، فيصير المتعارضان من قبيل السببين المتزاحمين، فيلغى أحدهما مع وجود وصف السببيّة فيه لإعمال الآخر، كما في كلّ واجبين متزاحمين.
لكن هذا كلّه على تقدير أن يكون العمل بالخبر من باب السببيّة.
أي: إنّ الحكم بالتخيير في الخبرين المتعارضين من باب تزاحم الواجبين، إنّما هو على تقدير كون الخبر حجّة من باب السببيّة، بأن يكون قيام الخبر على وجوب شيء واقعا سببا لوجوبه ظاهرا على المكلّف، و قد تقدّم في أوّل الكتاب أنّ السببيّة تتصوّر على ثلاثة وجوه:
أحدها: إنّ الأحكام الواقعيّة مختصّة بالعالمين بها، و الحكم الواقعي للجاهل هو مؤدّى الأمارة، بمعنى حدوث مصلحة في المؤدّى بسبب قيام الأمارة، وافقت الواقع أو خالفت.
ثانيها: إنّ الأحكام الواقعيّة و إن كانت مشتركة بين الكلّ إلّا أنّه إذا خالفت الأمارة للواقع ينقلب الحكم الواقعي إلى مؤدّى الأمارة بالنسبة إلى الجاهل، بمعنى كون مصلحة مؤدّى الأمارة الحادثة بقيامها غالبة على مصلحة الواقع.
ثالثها: إنّ الأحكام الواقعيّة مشتركة بين الكلّ إلّا أنّه إذا خالفت الأمارة للواقع يجعل مؤدّاها حكما ظاهريا للجاهل لمصلحة في تطبيق العمل بالأمارة، فيكون له في الواقعة الواحدة حكمان أحدهما واقعي شأني و الآخر ظاهري فعلي.
و ليس مراد المصنف (قدّس سرّه) من السببيّة هي السببيّة بالمعنى الأوّل و الثاني، و ذلك مضافا إلى بطلانهما لأجل التصويب. إنّ القائل بهما لا بدّ أن يقول بالتساقط في صورة التعارض لامتناع اجتماع حكمين في موضوع واحد، كما هو مفاد المتعارضين.
و لذا جعلوا وقوع التعارض من وجوه الردّ على المصوّبة، بل مراده المعنى الأخير الذي يجري في أدلّة الموضوعات أيضا، كما في شرح الاعتمادي مع تصرّف ما.
و قد أشار إلى المعنى الأخير بقوله: بأن يكون قيام الخبر على وجوب فعل واقعا سببا شرعيّا لوجوبه ظاهرا على المكلّف، فيصير المتعارضان من قبيل السببين المتزاحمين.
لأنّ أحدهما سبب للوجوب و الآخر سبب لعدمه فيما إذا دلّ أحدهما على وجوب شيء و الآخر على وجوب ذلك الشيء، فيحصل التزاحم بينهما.