دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٤٠ - الجمع العملي بين البيّنتين المتعارضتين
و لأجل هذا يعدّ الجمع بهذا النحو مصالحة بين الخصمين عند العرف، و قد وقع التعبّد به في بعض النصوص أيضا، فظهر ممّا ذكرنا: أنّ الجمع في أدلّة الأحكام بالنحو المتقدّم من تأويل كليهما لا أولويّة له أصلا على طرح أحدهما و الأخذ بالآخر، بل الأمر بالعكس، و أمّا الجمع بين البيّنات في حقوق الناس، فهو و إن كان لا أولويّة فيه على طرح أحدهما بحسب أدلّة حجيّة البيّنة، لأنّها تدلّ على وجوب الأخذ بكلّ منهما في تمام مضمونه، فلا فرق في مخالفتهما بين الأخذ لا بكلّ منهما، بل بأحدهما أو بكلّ منهما، لا في تمام مضمونه بل في بعضه.
إلّا أنّ ما ذكره من الاعتبار لعلّه يكون مرجّحا للثاني على الأوّل.
لأنّ الشبهة موضوعيّة، أي: لا نعرف المالك منهما و لا نعرف الصادق من البيّنتين، و طرح أحدهما باختيار المترافعين نقض للغرض، أعني: فصل الخصومة فبقي الجمع العملي.
و لأجل هذا يعدّ الجمع بهذا النحو مصالحة بين الخصمين عند العرف حيث يدفع نصف المال لغير مالكه عوض الصلح. هذا تمام الكلام في الوجه الأوّل.
و الوجه الثاني: ما أشار إليه بقوله: و قد وقع التعبّد به أي: بالتبعيض في بعض النصوص أيضا على ما يأتي فظهر ممّا ذكرنا: أنّ الجمع في أدلّة الأحكام بالنحو المتقدّم من الجمع الدلالي و تأويل كليهما لا أولويّة له أصلا أي: لا بملاحظة دليل حجيّة السند و لا بملاحظة الدليل الخارجي على طرح أحدهما و الأخذ بالآخر، بل الأمر بالعكس أي:
أولويّة الطرح على الجمع، و قد عرفت أنّ الجمع العملي فيما يمكن ممّا لا يرضى به الشارع.
و أمّا الجمع بين البيّنات في حقوق الناس، فهو و إن كان لا أولويّة فيه على طرح أحدهما بحسب أدلّة حجيّة البيّنة، لأنّها تدلّ على وجوب الأخذ بكلّ منهما في تمام مضمونه، فلا فرق في مخالفتهما بين الأخذ لا بكلّ منهما، بل بأحدهما أو بكلّ منهما، لا في تمام مضمونه بل في بعضه.
و ملخّص الكلام على ما في شرح الاعتمادي: إنّه لا بدّ من مخالفة دليل الحجيّة؛ إمّا بطرح تمام أحدهما، و إمّا بطرح بعض كلّ منهما، و لا أولويّة لأحدهما على الآخر إلّا إنّ الدليل الخارجي و هو الوجهان المتقدّمان يرجّحان الثاني على ما في شرح الاعتمادي، كما قال: إنّ ما ذكره من الاعتبار أي: الجمع بن الحقّين لعلّه يكون مرجّحا للثاني على الأوّل.