مباني تحرير الوسيلة - المؤمن القمي، الشيخ محمد - الصفحة ١٨ - كتاب القضاء
و منصب القضاء من المناصب الجليلة الثابتة من قبل اللَّه تعالى للنبي صلى الله عليه و آله و سلم (٢)، و بالجملة: فالقضاء متضمّن للحتم؛ فالقاضي يقال له القاضي لأنّه بقضائه يخرج المورد المقضي فيه عن كونه ذا وجهين و احتمالين، و يجعله ذا جهة واحدة؛ هي ما قضى بها.
و الفرق بين القضاء و الإفتاء: أنّ الإفتاء إنّما هو في الأحكام و القوانين أو الموضوعات الكلّية، و أمّا القضاء فهو في الموارد الشخصية الجزئية. فالمفتي يفتي بأنّه لا يجوز لك التصرّف في مال الغير، و القاضي يقضي بأنّ هذا مال الغير، و كذلك المفتي يفتي بأنّ يوم الفطر يحرم صيامه، و القاضي يقضي بأنّ غداً أو اليوم يوم الفطر، و هكذا.
و الظاهر عدم اعتبار التنازع و التشاجر في صدق القضاء، بل يكفي في صدقه وجود احتمالين متخالفين و إن لم يكن في البين مدّع لأحدهما؛ فإذا حكم القاضي بأنّ الغد يوم الفطر يصدق عليه القضاء، و إن كان الناس لا يدّعون شيئاً إثباتاً أو نفياً و لم يقع بينهم تنازع و لا تشاجر.
و كيف كان: فقد جعل الشارع تبارك و تعالى نظر القاضي و حكمه في الموضوعات الشخصية لازم الاتّباع على غيره، و هي خصيصة القضاء، بل عرفت أنّ الحتمية مقوّم صدق القضاء، و هذا النفوذ و لزوم الاتباع حكم شرعي على خلاف مقتضى القواعد و الأُصول الأوّلية، كما هو واضح.
(٢) قد عرفت: أنّ قوام القضاء بلزوم اتّباع نظر و حكم القاضي على كلّ أحد؛ فيستتبع كلّ قضاء تكليفاً و التزاماً عملياً على الناس كلّهم.