مباني تحرير الوسيلة - المؤمن القمي، الشيخ محمد - الصفحة ١٩ - كتاب القضاء
..........
و التكليف و الإلزام لا يكون بحكم العقل إلّا حقّا للَّه تعالى؛ فإنّه خالق كلّ شيء و ربّه و مالكه و له الخلق و الأمر، و عصيانه و مخالفة أوامره و نواهيه يوجب عقلًا استحقاق العقاب، فإذا حكم اللَّه تعالى على موضوع أو قضية بحكم فيلزمه ترتّب آثاره.
و أمّا حكم غيره تعالى فلا يلزم العقل بلزوم اتباعه و وجوب ترتيب الآثار عليه، إلّا إذا جعله اللَّه تعالى كذلك و حكم عليه بهذا الحكم.
و قد حكم هذا الحكم على ما يقضي به الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم بقوله تعالى وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً[١].
فأوجب على المؤمنين التسليم عند ما قضى رسول اللَّه أمراً و سلب عنهم الاختيار، و عدّ عصيان أمره ضلالًا مبيناً، و في كلّ ذلك قارن قضاءه صلى الله عليه و آله و سلم مع قضاء اللَّه و عصيانه مع عصيانه؛ تعظيماً و تبجيلًا له، و تنبيهاً على عظم رعاية قضائه و إطاعته.
بل يستفاد من الإتيان بفعل واحد «قضى» و مفعول واحد «أمراً» و جعل «اللَّه و رسوله» فاعلًا له: أنّ كلّ ما يقضي به الرسول فقد قضى به اللَّه تعالى؛ فقضاء النبي قضاء اللَّه، و كذلك كان عصيانه عصيان اللَّه تعالى؛ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً.
ففي هذه الآية و هذا البيان تكريم عظيم له صلى الله عليه و آله و سلم في عين الدلالة على أنّ له صلى الله عليه و آله و سلم أن يقضي في كلّ ما أراد؛ فهو لا يقضي إلّا بقضاء اللَّه، و لا يرى
[١] الأحزاب( ٣٣): ٣٦.