تفصيل الشريعة- النكاح - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٩ - آداب النكاح
..........
الثاني: عدم ثبوت الحقيقة الشرعية في هذا الباب بوجه، بل النكاح إنّما هو كالبيع مثلًا، فكما أنّ الشارع لم يكن له في باب البيع معنى آخر، بل كان البيع معمولًا عند العقلاء، غاية الأمر اعتبار الشارع فيه أُموراً وجودية و عدميّة بعد إمضاء البيع بقوله تعالى أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [١]، الذي معناه إنّ اللَّه تبارك و تعالى أمضى البيع العقلائي، و لا مجال لأن يقال: إنّ معناه أمضى اللَّه البيع الشرعي؛ لأنّه ضرورية بشرط المحمول، فكذلك النكاح لا يكون له في بابه معنى آخر، بل أمضى النكاح العقلائي مع اعتبار أُمور وجوديّة أو عدمية فيه.
و دعوى الفرق بين النكاح و بين البيع من هذه الجهة ممنوعة جدّاً، و يؤيّد الأمرين إنّ معنى قوله: بعت لا يرجع إلى أوجدت عقد البيع، بل العقد وجود إنشائي يتحقّق بإيجاد مفهوم البيع بلفظ بعت مثلًا، و كذا معنى قولها في إيجاب النكاح: أنكحت لا يرجع إلى أنّي أوجدت عقد النكاح بل الوجود الإنشائي المذكور.
إذا عرفت الأمرين فاعلم أنّ معنى النكاح هو الأمر الأوّل، لكن لا بمعنى نفس العقد الذي هو وجود إنشائي لفظي، بل بمعنى مدلول العقد الذي هو حصول السلطة للزوج على بضع الزوجة؛ لأنّه المفهوم العرفي من قوله: فلان زوج فلانة، أي يكون مسلّطاً على بضعها و لو لم يقع منه وطء أصلًا أو لم يتمكّن من الوطء، و لا فرق في هذا المعنى بين أن نقول بانحصار السبب في ألفاظ خاصة، أو نقول بجريان المعاطاة في النكاح أيضاً و إن كان خلاف الإجماع ظاهراً، و يؤيّد ما ذكرنا ترتيب وجوب الوطء في زمان خاصّ أو جوازه على النكاح في كلمات الفقهاء رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، فيعلم أنّ النكاح أمر و الوجوب أو الجواز أمر آخر.
[١] سورة البقرة: ٢/ ٢٧٥.