تفصيل الشريعة- كتاب الطهاره( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٤٧ - القول في أحكام النجاسات
وأمّا فيما لم يتحقّق الهتك والإهانة أصلًا، كما إذا كان مشتغلًا بقراءة القرآن، فأخذ الورق باليد الرطبة المتنجّسة الخالية عن عين النجاسة، فهل وجوب الإزالة أو حرمة التنجيس ثابت فيه أيضاً، أم لا؟
يمكن أن يقال بدلالة المتن على ثبوت الحكمين في المصحف مطلقاً؛ لأنّه وإن لم يصرّح بالمراد من البعض المذكور فيه، إلّاأنّ الظاهر كون المصحف مراداً إمّا وحده، أو مع بعض الامور المذكورة.
وذلك لأهمّية المصحف بمرتبة لا يبلغها شيء من المذكورات بعد كونه كلام اللَّه النازل لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهدايتهم أجمعين من الأوّلين والآخرين، وهي المعجزة الخالدة الوحيدة، ومع ذلك يقع الكلام في مدرك ثبوتهما فيه ولو مع عدم تحقّق الهتك أصلًا، كما في المثال المذكور.
وقد استدلّ شيخنا الأنصاري قدس سره على وجوب إزالة النجاسة عن خصوص خطّ المصحف بفحوى حرمة مسّ الُمحدِث له [١]. والظاهر أنّ مراده من الفحوى والأولوية، أنّه إذا كان مسّ المحدث للخطوط حراماً، مع أنّه لا تتأثّر الخطوط بمسّه أصلًا، فتنجيسها المؤثّر في الخطوط يكون حراماً بطريق أولى.
ويرد عليه- مضافاً إلى أنّ ملاك حرمة المسّ لعلّه كان مغايراً لملاك حرمة التنجيس على تقديرها، ولم يعلم ملاك حرمة المسّ بوجه، فكيف يمكن التشبّث بالفحوى معه؟ وإلى اختصاص الدليل على فرض تماميّته بخصوص الخطوط، ولا ينطبق على الورق فضلًا عن الجلد والغلاف- أنّ مقتضاه حرمة التنجيس، ولا دلالة له على وجوب الإزالة إلّاعلى تقدير القول بمنع غير المتطهّر عن مسّ الكتاب، ووجوب حفظه من أن يمسّه المحدث، وإلّإ؛ فلا يقتضي الدليل وجوب الإزالة بوجه.
فانقدح أنّه لم ينهض دليل لثبوت الحكمين في المصحف مع عدم تحقّق الإهانة والهتك، إلّاأنّه حيث يكون تعظيم القرآن مساوقاً لتعظيم الدِّين، وتكريمه تكريم شريعة سيّد المرسلين، فالأحوط لو لم يكن الأقوى لزوم التباعد والتفاصل بينه، وبين النجاسات، خصوصاً بعد نفي الإشكال عنه من مثل شيخ المشايخ أجمعين، وبعد إمكان دعوى أولويّة المصحف عن المسجد؛ ضرورة أنّ إضافته إلى اللَّه- تعالى- أشدّ من إضافة المسجد إليه؛ لأنّه المعجزة الوحيدة.
ومن المعلوم، أنّ عروض التنجّس له يوجب التنفّر والانزجار وانحطاط مرتبته العالية في الأنظار العادية، فاللّازم مراعاة ذلك في نفس المصحف وشؤونه من الورق والجلد والغلاف، فتدبّر.
المقام الخامس: في أحكام متعلّقة بالإزالة غير ما ذكر:
منها: أنّ وجوب الإزالة في موارد ثبوته كفائيّ، ولا يختصّ بمن تحقّق منه التنجيس، بل هو وغيره سواء في هذه الجهة؛ وذلك لعدم اختصاص أدلّة الوجوب ببعض دون بعض، بل يشمل الخطاب جميع من استجمع شرائط هذ التكليف، فهو متوجّه إلى العموم، وحيث إنّ الإزالة لا تكون قابلة للتكليف بها إذا قام بها بعض المكلّفين؛ لعدم بقاء موضوعها بعد تحقّقها، فلا محالة يصير الحكم بنحو الوجوب الكفائي.
وعن الشهيد في ظاهر الذكرى [٢] اختصاص الوجوب بمن أدخله.
ويرد عليه- بعد وضوح كون مراده خصوص ما إذا كان من أدخله واجداً لشرائط التكليف، وبعد الإيراد عليه بأنّه ربما لا يكون الإدخال من فعل
[١] كتاب الطهارة (تراث الشيخ الأعظم) ٥: ٢٢٢.
[٢] ذكرى الشيعة ٣: ١٢٩.