موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٦٢٦ - لطيفة
و بناء على ما ذكره المؤرخون الأعلام فإن طول المجرى الذى حفرته السيدة زبيدة يبلغ (١٤٣٠٣٨) قدما و أربع بوصات و قد صرف فى حفرها و تسويتها مليونا و سبعمائة مثقال ذهب كاملا كما سبق ذكره.
لطيفة
قد رأى أحد الصلحاء فى رؤياه السيدة [١] زبييدة فى رياض الجنة و قال لها «هل غفر لك لتوصيلك المياه إلى مكة المكرمة» فأجابت قائلة: «إن ما أنفقته من المبالغ لأجل الماء كانت من حقوق العباد و ما حدث منها من الأجر و الثواب وزع على أصحاب الحقوق، و لكننى كنت يوما فى مجلس الأنس و الشراب فسمعت الأذان المحمدى، فتركت الشرب و استشهدت من خلف المؤذن، إن عملى هذا قد حاز رضا ربى الرحيم و قال مخاطبا الملائكة: «إذا لم يكن توحيد ألوهيتى راسخا فى قلب زبيدة لما أسرعت فى الاعتراف بوحدانيتى بترك مجلس الهناء و السرور فاشهدوا أننى رضيت عنها و غفرت لها «و بصدور هذا الخطاب الإلهى الجليل وصلت لما أنا عليه من مرتبة عالية و إننى الآن فى أحسن حال». هذا كان ردها للشيخ الصالح. انتهى «روح البيان».
و قد أنقذت السيدة زبيدة أهل مكة من ضائقة الماء، إذ أوصلت هذه المياه إليها و كذلك خدمت الحجاج الكرام خدمة عظيمة بهذا العمل الجليل.
إلا أن السيول التى تنهمر من الجبال قد خربت قنوات هذه المياه و مجاريها مع مرور الأيام، كما أن تقلبات الزمن و قلة الأمطار قد محت و خربت جميع الطرق و قضت عليها، و أجبرت سكان المدينة الشهيرة مكة المكرمة على أن يجلبوا الماء من أماكن بعيدة، كما أن مياه الآبار أخذت تنضب فى سنة ٢٤١ فأجهد الظمأ الناس أيما إجهاد، و فى أثناء ذلك أوصل الخليفة العباسى المتوكل المياه التى جلبتها السيدة زبيدة إلى عرفات إلى مكة المكرمة حافرا مجرى آخر، و بهذا نال الأجر و الثواب و كأنه أحيا جيران كعبة اللّه من جديد [٢] إلا أن المجرى الذى حفره فسد
[١] إن المشار إليها توفيت عام (٢١٢) و على قول عام (٢١٦).
[٢] يروى أن المتوكل أنفق مائة ألف قطعة ذهب لجلب المياه إلى مدينة مكة المكرمة.