معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٢٣٩ - علل الأحاديث
تفضيل الإفراد ثمّ التّمتّع ثمّ القران، و أمّا حجّة النبي (ص) فاختلفوا فيها هل كان مفردا أم متمتّعا أم قارنا و هي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة و كلّ طائفة رجّحت نوعا و ادّعت أنّ حجّة النبيّ (ص) كانت كذلك.
إلى قوله: و من دلائل ترجيح الإفراد أنّ الخلفاء الراشدين (رض) بعد النبي (ص) أفردوا الحجّ [١] و واظبوا على إفراده، كذلك فعل أبو بكر و عمر و عثمان (رض) و اختلف فعل علي (رض) [٢] ، و لو لم يكن الإفراد أفضل و علموا أنّ النبيّ (ص) حجّ مفردا لم يواظبوا عليه مع أنّهم الأئمّة الأعلام و قادة الإسلام و يقتدي بهم في عصرهم و بعدهم، و كيف يليق بهم المواظبة على خلاف فعل رسول اللّه (ص) و أمّا الخلاف عن علي (رض) و غيره فإنّما فعلوه لبيان الجواز [٣] . و قد ثبت في الصحيح ما يوضح ذلك، و منها-أي من دلائل ترجيح الإفراد-أنّ الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع و ذلك لكماله و يجب الدم في المتمتّع و القران و هو دم جبران لفوات الميقات و غيره فكان ما لا يحتاج إلى جبر أفضل.
و منها أنّ الأمّة أجمعت على جواز الإفراد من غير كراهة [٤] ، و كره عمر و عثمان و غيرهما التّمتّع و القران فكان الإفراد أفضل و اللّه أعلم. فإن قيل: كيف وقع الاختلاف بين الصحابة (رض) في صفة حجّته (ص) و هي حجّة واحدة، و كلّ واحد منهم يخبر عن مشاهدة في قضيّة واحدة؟ [٥]
قال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث فمن مجيد منصف، و من مقصّر متكلّف، و من مطيل مكثر و من مقتصر مختصر قال: و أوسعهم في
[١] الواقع الحقّ أن العلماء استندوا إلى فعل الخلفاء المذكور و أوّلوا ما خالفه من نص الكتاب و فعل الرسول و قوله-السنّة-تبريرا منهم لفعل الخلفاء كما أشرنا إليه.
[٢] إن كان قصده من اختلاف فعل الإمام عليّ، اختلاف فعله مع أفعال الخلفاء في هذا المقام كما يظهر ذلك من قوله في ما يأتي فهو صحيح. و إن كان قصده أن الإمام اختلفت أفعاله بعضه مع بعض فهو كذب و افتراء على الإمام.
[٣] قد صرح الإمام أنّه خالفهم لإحياء سنة الرسول التي منعوا أقامتها راجع قبله على عهد عثمان.
[٤] و قد خالف أبناء الأمّة هؤلاء، رسول اللّه حيث غضب في حجّة الوداع على من تردد في فسخ الإفراد الى التمتع و خالفهم أئمة أهل البيت تبعا لرسول اللّه و خالفهم أتباع مدرسة أهل البيت و غير هؤلاء ممن رضي بسنة الرسول إذا فالامة لم تجمع على ذلك.
[٥] إنما نشأ هذا الاختلاف بعد مخالفة الخلفاء لسنة الرسول حيث روى بعضهم أحاديث خلافا للواقع تبريرا لعمل الخلفاء.