معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٥١ - فتح الروافد الاسرائيلية
هكذا خنقت مدرسة الخلفاء أنفاس الصحابة و التابعين و قضت على من خالف سياستهم، و في مقابل ذلك فتحت الباب لآخرين أن يتحدثوا بين المسلمين كما يشاءون و كما نشير إليه في ما يأتي:
فتح الروافد الاسرائيلية
انّ مدرسة الخلفاء حين أغلقت على المسلمين باب التحديث عن رسول اللّه (ص) كما أشرنا إليه في ما مضى، فتحت لهم باب الأحاديث الاسرائيلية [١] على مصراعيه. و ذلك بالسماح لأمثال تميم الداري الراهب النصراني [٢] ، و كعب أحبار اليهود [٣] و كانا قد أظهرا الإسلام بعد انتشاره، و تقرّبا إلى الخلفاء بعد الرسول (ص)
قسلوني قبل أن أقتل، فلما سأله الناس و حدثهم أرسل ابن زياد من ألجمه بلجام، و هو أول من ألجم في الاسلام.
خبره في رجال الكشي ص ٨١-٨٤.
[١] اي: أحاديث بني اسرائيل المأخوذة من التوراة.
[٢] ابو رقية تميم بن أوس الداري، كان نصرانيا من علماء أهل الكتابين و راهب أهل عصره و عابد فلسطين. قدم المدينة بعد غزوة تبوك و أظهر الإسلام بعد سرقة ثبتت عليه ليدفع بإسلامه ما أدين به، و ذلك أنّه خرج مع رجل من بني سهم و عدي بن بداء في تجارة إلى الشام، فمات السهمي و أوصى أن يبلغا متاعه إلى أهله و كان قد دس فيه وصيته و أخذا من متاعه ما أعجبهما و كان في ما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا مموها بالذهب. فلما دفعا بقية المال إلى ورثته فقدوا بعض متاعه فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيه تاما لم يبع منه و لم يهب، فرفعوا أمرهما إلى النبيّ فحلفهما النبيّ عند المنبر بعد صلاة العصر، فحلفا أنهما لم يخونا فخلى سبيلهما. ثمّ وجدا الآنية عند تميم فرفعوهما إلى النبيّ ثانية فنزلت الآيات: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا شَهََادَةُ بَيْنِكُمْ» فحلف السهميان أن الانية من متاع صاحبنا فأخذوها و بقية المتاع من تميم و صاحبه ثم اعترف تميم بالخيانة فقال له النبي: «ويحك يا تميم اسلم يتجاوز اللّه عنك» فأسلم.
عاش هذا في المدينة الى عصر عمر و على عهده كان يعظمه عمر و يقول فيه خير أهل المدينة و ألحقه بأهل بدر في العطاء، و لما سنّ قيام شهر رمضان في العام الرابع عشر أمره و أبيّا أن يصليا بالناس، و بعد قتل عثمان انتقل إلى الشام و عاش في كنف معاوية و توفي في سنة أربعين للهجرة قد أوردنا قصة تميم و ترجمته بإيجاز في كتاب (من تاريخ الحديث) و هناك تفصيل قضاياه و مصادره.
[٣] أبو اسحاق كعب بن ماتع، كان من كبار علماء أهل الكتاب و من أحبار اليهود باليمن. قدم المدينة، و أظهر الإسلام على عهد عمر و بقي بها بطلب منه. و ارتحل منها إلى الشام عند ما ظهرت أمارات الثورة على عثمان. و عاش في كنف معاوية مرعيّ الجانب. و مات بحمص سنة ٣٤ ه بعد أن بلغ أربعا و مائة سنة. راجع ترجمته بكتابنا من تاريخ الحديث.
و إن كعب أحبار اليهود هذا و المعلوم وجوده هو الذي أثر على الفكر الإسلامي في بعض جوانبه و ليس عبد اللّه بن سبأ المختلق هو الذي أثر على الصحابة و التابعين كما زعموا. راجع كتاب «عبد اللّه بن سبأ» للمؤلف.