معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٣٣٩ - و ما هو بخط المأمون
عباده رسلا دالين عليه، و هادين إليه، يبشر أوّلهم بآخرهم، و يصدق تاليهم ماضيهم حتى انتهت نبوة اللّه إلى محمّد (ص) على فترة من الرسل، و دروس من العلم، و انقطاع من الوحي، و اقتراب من الساعة، فختم اللّه به النبيين، و جعله شاهدا لهم و مهيمنا عليهم، و أنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. بما أحلّ و حرم، و وعد و أوعد، و حذر و أنذر، و أمر به و نهى عنه، لتكون له الحجّة البالغة على خلقه، ليهلك من هلك عن بينة و يحيا من حيّ عن بيّنة، و أنّ اللّه لسميع عليم، فبلّغ عن اللّه رسالته، و دعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالّتي هي أحسن، ثم بالجهاد و الغلظة، حتّى قبضه اللّه إليه و اختار له ما عنده.
فلما انقضت النبوة، و ختم اللّه بمحمد (ص) الوحي و الرسالة، جعل قوام الدين و نظام أمر المسلمين بالخلافة، و إتمامها و عزّها و القيام بحقّ اللّه فيها بالطاعة التي بها تقام فرائض اللّه و حدوده و شرائع الإسلام و سننه، و يجاهد بها عدوه، فعلى خلفاء اللّه طاعته فيما استحفظهم و استرعاهم من دينه و عباده، و على المسلمين طاعة خلفائهم و معاونتهم على إقامة حقّ اللّه و عدله، و أمن السبيل و حقن الدماء و صلاح ذات البين و جمع الألفة، و في خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين و اختلالهم، و اختلاف ملّتهم و قهر دينهم و استعلاء عدوّهم و تفرّق الكلمة و خسران الدنيا و الآخرة، فحقّ على من استخلفه اللّه في أرضه، و ائتمنه على خلقه، أن يجهد للّه نفسه، و يؤثر ما فيه رضا اللّه و طاعته، و يعتمد لما اللّه مواقفه عليه و مسائله عنه، و يحكم بالحق و يعمل بالعدل فيما حمله اللّه و قلّده، فإنّ اللّه عز و جلّ يقول لنبيه داود (ع) :
«يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحقّ و لا تتبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللّه إن الّذين يضلّون عن سبيل اللّه لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب» و قال اللّه عزّ و جل: «فو ربك لنسألنّهم أجمعين عما كانوا يعملون» و بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوّفت أن يسألني اللّه عنها، و أيم اللّه إن المسئول عن خاصّة نفسه، الموقوف على عمله فيما بينه و بين اللّه ليتعرّض على أمر كبير و على خطر عظيم، فكيف بالمسئول عن رعاية الأمّة، و باللّه الثقة و إليه المفزع و الرغبة في التوفيق و العصمة، و التسديد و الهداية، إلى ما فيه ثبوت الحجّة و الفوز من اللّه بالرضوان و الرحمة.