معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٢٣١ - موقف ابن عمر
قال رجل من بني الهجيم لابن عبّاس ما هذه الفتيا الّتي تشغّفت أو تشغبت بالناس انّ من طاف بالبيت فقد حلّ؟!فقال: سنّة نبيّكم و إن رغمتم.
و في رواية بعدها: إنّ هذا الأمر قد تفشّغ بالناس من طاف بالبيت فقد حلّ. الطواف عمرة [١] .
«تشغّفت» أي علقت بقلوب الناس و «تشغّبت» أي خلطت عليهم أمرهم و «تفشّغ» أي انتشر و فشا بين الناس.
و قد علّق ابن القيم على رواية ابن عبّاس السابقة و قال: «و صدق ابن عبّاس:
كلّ من طاف بالبيت ممّن لا هدي معه من مفرد أو قارن أو متمتّع فقد حلّ إمّا وجوبا و إمّا حكما، هذه هي السنّة الّتي لا رادّ لها و لا مدفع و هذا كقوله (ص) : «إذا أدبر النّهار من هاهنا و أقبل الليل من هاهنا، فقد أفطر الصائم» إمّا أن يكون المعنى أفطر حكما أو دخل وقت إفطاره، و صار الوقت في حقّه وقت إفطار، فهكذا هذا الّذي قد طاف بالبيت إمّا أن يكون قد حلّ حكما، و إمّا أن يكون ذلك الوقت في حقّه ليس وقت إحرام، بل هو وقت حلّ ليس إلاّ، ما لم يكن معه هدي و هذا صريح السنّة» .
و روى عن أبي الشعثاء عن ابن عبّاس قال: «من جاء مهلاّ بالحجّ فإنّ الطواف بالبيت يصيّره إلى عمرة شاء أو أبى» قلت: إنّ الناس ينكرون ذلك عليك قال:
هي سنة نبيّهم و إن رغموا [٢] .
هكذا جاهد ابن عبّاس في عصره و أعانه غيره من أتباع مدرسة الأئمة أمثال جابر بن عبد اللّه الأنصاري. و من هؤلاء و بعد هؤلاء تسرّى القول بعمرة التمتّع إلى أتباع مدرسة الخلفاء، كما يظهر ذلك من رواية ابن حزم عن منصور بن المعتمر، قال:
حجّ الحسن البصري و حججت معه في ذلك العامّ، فلمّا قدمنا مكّة، جاء رجل إلى الحسن، فقال: يا أبا سعيد!إنّي رجل بعيد الشقّة من أهل خراسان و إنّي قدمت مهلاّ بالحجّ، فقال له الحسن: اجعلها عمرة و احلّ، فأنكر ذلك الناس على الحسن [٣]
و شاع قوله بمكّة فأتى عطاء بن أبي رباح فذكر ذلك له، فقال: صدق الشيخ و لكنّا نفرق أن نتكلّم بذلك [٤] .
[١] صحيح مسلم. الحديث ٢٠٦ و ٢٠٧ ص ٩١٢-٩١٣.
[٢] زاد المعاد ١/٢٤٩.
[٣] هكذا نجد سنة رسول اللّه في هذا العصر منكرا لدى المسلمين.
[٤] المحلى لابن حزم ٧/١٠٣. و المنصور بن المعتمر أبو عتاب السلمي الكوفي أخرج حديثه جميع أصحاب