معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٦٤ - كيف وجد الحديثان المتناقضان
و أحاديث تروى أنّه قال: «لا تكتبوا حديثي» .
و هكذا وجدت الأحاديث المتناقضة في الأحاديث المروية عن رسول اللّه (ص) .
و على هذا، متى ما وجدنا الأحاديث متعارضة، ينبغي أن نترك ما يوافق اتجاه السلطة الحاكمة مدى العصور.
و لا يفوتنا أخيرا أن نقول: إنّ المنع كان بقصد منع نشر فضائل الإمام عليّ (ع) على المسلمين، خاصّة على عهد معاوية الذي كان يأمر بلعن الإمام في خطب الجمعة على منابر المسلمين، كما مرّ بنا في الجزء الأول، فصل: كتمان فضائل الإمام عليّ، و نشر سبّه و لعنه.
أشرنا في ما سبق إلى جانب ممّا اقتضته سياسة الحكم لدى معاوية، و هو صرف الناس عن مدرسة أهل البيت و توجيههم نحو مدرسة الخلفاء، و أضف إلى ذلك أن معاوية كان بحاجة إلى تغيير رؤية المسلمين لإمامهم أكثر فأكثر. فإن رؤية المسلمين للحاكم الإسلامي الأوّل رسول اللّه (ص) ، و أنّه مثال للكمال الإنساني، و أنّه لا تصدر منه المعاصي، و لا ينساق وراء هوى نفسه.
هذه الرؤية كانت تمنع غير المنحرفين من أفراد الأمّة من الانسياق وراء معاوية، و من قبول يزيد (المخمور المعلن بالفسق) لولاية العهد، و من هنا كان معاوية بحاجة إلى تغيير رؤية المسلمين إلى مثلهم الأعلى رسول اللّه (ص) ، و لهذا ظهرت أحاديث تري رسول اللّه (ص) في مستوى يزيد و معاوية في الانحراف وراء هوى نفسه، و قد رويت تلك الأحاديث عن بعض أمهات المؤمنين و بعض صحابة رسول اللّه (ص) [١] .
و كان-أيضا-في الأحاديث الإسرائيلية عن الأنبياء السابقين و الّتي كان ينشرها علماء أهل الكتاب بين المسلمين إسنادا و تأييدا لما تتطلبه سياسة معاوية في
[١] راجع بحث منشأ الخلاف حول صفات رسول اللّه (ص) من (بحوث تمهيدية) في الجزء الأوّل من هذا الكتاب، لترى كيف رسمت مدرسة الخلفاء صورة خاتم الأنبياء فإنا نرى أنها وضعت في عصر معاوية و لحسابه.