معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٢٥٠ - خلاصة البحث
في صنعة الوضع و الافتراء، فإنّهم مثلا يروون عن أبي ذر و هو في الربذة، و عن الإمام علي و هو ينصح ابنه محمّدا، و عن واحد من أصحاب النبيّ بأنّه أخبر عمر بنهي النبيّ عنها و هو في مرض موته، و لكن مع كلّ هذا الجهد تعلّقت قلوب الناس بعمرة التمتع كما قيل ذلك لابن عبّاس و لم يكن سببه عدم اتباعهم لسنّة عمر، بل كان سببه عدم تمكنهم من إطاعته فيها، فإنّه لم يكن بمقدور المسلمين أن يشدّوا الرحال من أقاصي البلاد الإسلاميّة مرّتين، مرّة للعمرة في غير أشهر الحجّ، و أخرى للحجّ في أشهر الحجّ مثل الخراساني الّذي استفتى الحسن البصري في مكّة و قال: إنّي رجل بعيد الشقّة...
و الآخر الّذي سأل مجاهدا و قال: هذا أوّل ما حججت فلا تشايعني نفسي، فأيّ ذلك ترى أتمّ، أن أمكث كما أنا أو أجعلها عمرة؟ [١]
لم يكن مسكن أمثال هؤلاء في الحجاز ليستطيعوا المجيء من بيوتهم إلى مكة مرّتين كما كان يأمر به عمر و عثمان و أتباعهم. و ما ذا يصنع الذي قد يتاح له المجيء إلى الحجّ مرّة واحدة في حياته؟و كيف يعمل مثل هذا بسنّة عمر؟و قديما قيل: إذا أردت ألاّ تطاع فاطلب ما لا يستطاع. من أجل هذا اضطر المسلمون إلى أن يتركوا من سنّة عمر ما لم يتمكّنوا من فعله و هو إفراد الحجّ من العمرة، و أخذ بعضهم منها ما أمكنه فعله و هو عدم الإحلال بين العمرة و الحجّ، و بعضهم ترك سنّة عمر بالمرّة مثل أتباع مدرسة أحمد إمام الحنابلة.
على أنّ المسلمين في كلّ تلك القرون لم يألوا جهدا في تبرير فعل الخلفاء، من روايتهم الحديث عن النبيّ و آله و أصحابه في تأييد رأي الخلفاء، إلى تأييد فعلهم بما يستطاع قوله، مثل قولهم: إنّ الخلفاء ضربوا و حلقوا للترغيب لأنّهم رأوا الإفراد أفضل! إلى تسمية فعل الخلفاء بالاجتهاد و أنّ المسألة اجتهادية و أنّ الخليفة اجتهد في هذه المسألة!إذا فقد قال اللّه، و قال رسوله، و اجتهد عمر و اتّخذ من اجتهاده حكما من أحكام الشرع الإسلامي!!!
[١] المحلى ٧/١٠٣.