معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٢٩١ - الاجتهاد حقيقته، تطوره، أدلة صحة العمل به
-٧- الاجتهاد في القرن الثاني فما بعد و استنباط الأحكام من عمل الصحابة
الاجتهاد: حقيقته، تطوره، أدلة صحة العمل به
حقيقة الاجتهاد د- كما أشرنا إليها في ما سبق-هي العمل بالرأي، و منشؤه عمل الصحابة و الخلفاء بآرائهم، و اقتداء أتباعهم بهم في ذلك. و في ما يلي بيانه:
قال الدواليبي [١] : كانت ترد على الصحابة أقضية لا يرون فيها نصّا من كتاب أو سنّة، و إذ ذاك كانوا يلجئون إلى الاجتهاد، و كانوا يعبّرون عنه بالرأي أيضا، كما كان يفعل أبو بكر (رض) ... و كذلك كان عمر يفعل...
ثمّ استشهد بما روي أنّ عمر كتب به إلى شريح و إلى أبي موسى، و قال: و لم يكن الصحابة في اجتهادهم يعتمدون على قواعد مقرّرة، أو موازين معروفة، و إنّما كان معتمدهم ما لمسوا من روح التشريع... ثم قال:
و هذه المعرفة لم تتوفّر لمن جاء بعدهم بنفس السهولة... و لذلك لم يلبث الاجتهاد بعدهم أن تطوّر تطوّرا محسوسا... و متأثرا إلى حدّ كبير بمحيط المجتهد، و كان ذلك مدعاة إلى اشتداد النزاع العلمي في مادّة الأحكام كلّما اشتدّ البعد بين المجتهدين و عصر التنزيل، و هذا ما حمل رجال الاجتهاد على وضع قواعدهم في الاجتهاد، و سمّوه بعلم أصول الفقه، و أصبح الاجتهاد في دوره الثاني هذا متميّزا عن دوره الأوّل بما وضع له من قواعد و قوانين جعلت أصوله معلومة بعد أن كان الذوق السليم لأسرار
[١] في كتاب: المدخل إلى علم أصول الفقه، تأليف محمّد معروف الدواليبي، أستاذ علم أصول الفقه و القانون الروماني في كلية الحقوق، دكتور في الحقوق من جامعة پاريس، حامل شهادة الدراسات العليا في الحقوق الرومانية، مجاز في العلوم الإسلامية من الكلية الشرعية بحلب. ط. دار العلم للملايين/بيروت لبنان، سنة ١٣٨٥ ه ١٩٦٥ م.