معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٨٧ - ب-اجتهاد أبي بكر
السلاح و انطلق معي إلى أبي بكر، فخرج معه فلمّا قدما عليه أمر أبو بكر طريفة بن حاجر فقال: اخرج به إلى هذا البقيع فحرّقه فيه بالنار فخرج به طريفة إلى المصلّى فأوقد له نارا فقذفه فيها.
و في رواية قبلها عند الطبري: «فأوقد له نارا في مصلّى المدينة على حطب كثير، ثمّ رمى به فيها مقموطا» .
و في لفظ ابن كثير: «فجمعت يداه إلى قفاه و ألقي في النار فحرّقه و هو مقموط» [١] .
و ندم أبو بكر على فعله ذلك و قال في مرض موته:
«ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهنّ، وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء و إن كانوا قد غلّقوه على حرب، و وددت أنّي لم أحرق الفجاءة السلمي و أنّي كنت قتلته تسريحا أو خلّيته نجيحا، و وددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين. يريد عمر و أبا عبيدة» [٢] .
و اعترض على أبي بكر في ذلك لأنّ حكم مفسد كالفجاءة جاء في القرآن الكريم مصرّحا به في سورة المائدة الآية ٣٣: إِنَّمََا جَزََاءُ اَلَّذِينَ يُحََارِبُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسََاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاََفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ. ذََلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي اَلدُّنْيََا وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذََابٌ عَظِيمٌ» .
و وردت روايات عن رسول اللّه في النهي عن الإحراق كما في صحيح البخاري و مسند أحمد قوله (ص) [٣] : «لا يعذّب بالنار إلاّ ربّ النار» ، و «انّ النار لا يعذّب بها إلاّ اللّه» ، و «لا يعذّب بالنار إلاّ ربّها» .
و ورد قوله: «من بدّل دينه فاقتلوه» [٤] ، و قوله «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه إلاّ بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان فإنّه يرجم، و رجل
[١] تاريخ الطبري ط. مصر الأولى ٣/٢٣٤-٢٣٥، و ابن الأثير ٢/١٤٦، و ابن كثير ٩/٣١٩ في ذكرهم حوادث السنة الحادية عشرة.
[٢] الطبري ٤/٥٢ في ذكر حوادث السنة الثالثة عشرة، و راجع بقية مصادره في فصل التحصن بدار فاطمة من عبد اللّه بن سبأ، ١/١٠٦.
[٣] صحيح البخاري ٢/١١٥ باب لا يعذب بعذاب اللّه من كتاب الجهاد، و مسند أحمد ٢/٢٠٧ و ٣/٤٩٤، و سنن أبي داود كتاب الجهاد، باب في كراهية حرق العدو بالنّار، ح ٢٦٧٣، ٢٦٧٥، ج ٣/٥٥، ٥٦، و كتاب الأدب باب في قتل الذرّح ٥٢٦٨، ج ٤/٣٦٧-٣٦٨، و البيهقي ٩/٧١ و ٧٢.
[٤] صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، و سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب الحكم في من ارتدّ.