معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٢٣٠ - موقف ابن عمر
و روى عنه أيضا خلاف هذا الموقف [١] و لعلّ سبب اختلاف فتاويه في العمرة اختلاف أزمنة الفتاوى و الروايات عنه كما لو كان السؤال منه على عهد أبيه، أو على عهد عثمان مثلا. فينبغي أن يكون الجواب موافقا لموقف الخلافة الراشدة. أمّا في عصر ابن الزبير و مناهضة الخلافة الأمويّة له، فكان يسهل مخالفته.
و بهذا تيسّر وقوع الخلاف الشديد حول عمرة التمتع في هذا العصر و وقع فكان منهم من ينهى عنها و هم عصبة الخلافة، و منهم من يحبذها و يخبر عن أمر الرسول بها و هم بعض من بقى من أصحاب الرسول مثل جابر بن عبد اللّه الأنصاري الّذي كان يخبر عن سنة الرسول في ذلك كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي نضرة، قال: كنت عند جابر فأتاه آت فقال: إنّ ابن عبّاس و ابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر:
فعلناهما مع رسول اللّه ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما [٢] .
و بقي هذا الخلاف بين أتباع الطرفين مدّة من الزمن. و من مظاهر ذلك الخلاف ما روي عن موسى بن نافع الأسدي أنّه قال: قدمت مكّة و أنا متمتّع بعمرة فدخلت قبل التروية بثلاثة أيّام فقال لي ناس من أهل مكّة: تصير حجّتك مكّيّة فدخلت على عطاء بن أبي رباح أستفتيه، فقال: حدّثني جابر بن عبد اللّه انّه حجّ مع رسول اللّه (ص) يوم ساق البدن و قد أهلّوا بالحجّ مفردا فقال لهم رسول اللّه (ص) : «أحلّوا من إحرامكم بالطواف بالبيت و بين الصفا و المروة و اقصروا و انتم حلال فاذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحجّ و اجعلوا الّتي قدمتم بها متعة» قالوا: كيف نجعلها متعة و قد سمّينا الحجّ، فقال «افعلوا ما أمرتكم فلو لا أنّي سقت الهدي لفعلت مثل الّذي أمرتكم به و لكنّي لا يحلّ منّي حرام حتّى يبلغ الهدي محلّه» ففعلوا [٣] .
و في عصر ابن الزبير-أيضا-ظهرت أمارات انتصار من أحيا سنّة الرسول و تعلّقت قلوب الناس بعمرة التمتع حسب ما يظهر من روايات مسلم في صحيحه مثل الرواية الآتية:
[١] سنن البيهقي ٤/٥.
[٢] صحيح مسلم، الحديث ١٢٤٩ ص ٩١٤.
[٣] سنن البيهقي ٤/٣٥٦ باب المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا أقام بمكة حتى ينشئ الحج إن شاء من مكة لأمن الميقات. و صحيح مسلم، ص ٨٨٤، الحديث ١٤٣: و تصير الآن حجتك مكية لإنشائك إحرامها من مكة فتفوتك فضيلة الإحرام من الميقات فيقل ثوابك بقلة مشقتك.