معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٢٤٠ - علل الأحاديث
ذلك نفسا أبو جعفر الطّحاوي الحنفي فإنّه تكلّم في ذلك في زيادة على ألف ورقة، و تكلّم معه في ذلك أبو جعفر الطبري، ثمّ أبو عبد اللّه بن أبي صفرة، ثمّ المهلّب، و القاضي أبو عبد اللّه المرابط، و القاضي أبو الحسن بن القصّار البغدادي، و الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ و غيرهم [١] .
قال القاضي عياض: و أولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم و اخترناه من اختياراتهم ممّا هو أجمع للروايات و أشبه بمساق الأحاديث أنّ النبيّ (ص) أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدلّ على جواز جميعها، و لو أمر بواحد لكان غيره يظنّ أنّه لا يجزي فأضيف الجميع إليه و أخبر كلّ واحد بما أمره به و أباحه له و نسبه إلى النبيّ (ص) إمّا لأمره به و إمّا لتأويله عليه... [٢]
و قال النووي في مكان آخر من شرحه: «قال المازري: اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحجّ، فقيل: هي فسخ الحجّ إلى العمرة، و قيل: هي العمرة في أشهر الحجّ ثمّ الحجّ من عامه، و على هذا إنّما نهى عنها ترغيبا [٣] في الإفراد الذي هو أفضل لا أنّه يعتقد بطلانها أو تحريمها.
و قال القاضي عياض: ظاهر حديث جابر و عمران و أبي موسى إنّ المتعة التي اختلفوا فيها إنّما هي فسخ الحجّ إلى العمرة، قال: و لهذا كان عمر (رض) يضرب الناس عليها و لا يضربهم على مجرّد التمتّع في أشهر الحجّ و إنّما ضربهم على ما اعتقده هو و سائر الصحابة أنّ فسخ الحجّ إلى العمرة كان مخصوصا في تلك السنة للحكمة التي قدّمنا ذكرها. قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين العلماء في أنّ التمتّع المراد بقول اللّه تعالى
[١] و تبعهم في الكتابة ابن قيم الجوزية في زاد المعاد و في الموضوع حقّه، و كتب فيه أيضا ابن حزم و كتبنا فيه هذا البحث. كتبت في هذا الموضوع طوال القرون آلاف الأوراق و لو اكتفى المسلمون بصريح الكتاب و السنة لكفتهم وريقة صغيرة.
[٢] لا، و الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحقّ إن الرسول لم يأمر في حجة الوداع إلا بحج التمتع و منع من غيره، و لم يظن أحد في عصره و لا من بعده أن الرسول أمر بغير حج التمتع، و إن كل هذه الأقوال قيلت في سبيل تبرير فعل الخليفة مع علم القائلين ببطلان أقوالهم.
إلى هنا أوردنا في المتن ملخصا من باب «بيان وجوه الإحرام و أنه يجوز إفراد الحج و التمتع... » من شرح النووي ج ٨/١٣٤-١٣٧.
[٣] إن الخليفة عمر (رض) نهى عن حج التمتع و عاقب على فعله و أمر بالإفراد في الحج و العمرة كما صرحت بذلك الروايات التي أوردناها في ما سبق، و إنما قال العلماء هذه الأقوال التماسا لما يعذرون به الخليفة.