المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٩٥
و قد تعلّق المخالف في هذه المسألة بأن قالوا: التوبة من المعاصي تجري مجرى ندم الواحد منّا على إساءته و اعتذاره إلى من أساء إليه.
و معلوم أنّ الواحد منّا لو أساء إلى غيره بأن كلمه كلاما موحشا و استحقّ عليه الذّم، فانّه إذا ندم على ذلك، و ودّ أنّه لم يفعله، و عزم على أن لا يعود إلى مثله، و بالغ في الاعتذار إلى من أساء إليه، و اجتهد في التقبّل، و غلب على الظنّ صدقه، فانّه يقبح في العقول ذمّه.
ألا ترى أنّ من تناهى في عداوتنا، ثمّ ندم على ذلك و عزم على ترك عداوتنا، و انتقل إلى التناهى في مودّتنا، فإنّه لا يحسن أن نذمّه و نلعنه الذمّ الذي كنّا نذمّه قبل اعتذاره، و نعلم أنّ حاله مفارق لحال من أساء مثل إساءته و لم يعتذر.
و الجواب عن ذلك: أنّ قبح ذم المسيء بعد اعتذاره عن الإساءة غير مسلّم، بل هو ممنوع. و منه [١] المعلوم خلافه على ما ذكرناه في المسيء إلى الرئيس أو القاضي بالإساءات التي وصفناها، فانّه ذمّه عليها لا يسقط و لا يقبح، و إن اعتذر من تلك كرّات، و ذكرنا الوجه في افتراق حالتيه قبل الاعتذار و بعده، و أنّه ليس ما ظنّوه من ثبوت استحقاق الذمّ قبل الاعتذار و سقوطه و زواله بعده. و انّما هو راجع إلى خلوص استحقاقه الذمّ قبل الاعتذار و نفي خلوصه بعده، لأنّه بعد الاعتذار يستحقّ المدح على اعتذاره من العقلاء عموما و الشكر من المعتذر إليه خصوصا.
و في وجه آخر: يفترق حالتاه، و هو أنّه قبل الاعتذار يستحقّ ذمّا على الإساءة و ذمّا آخر على إصراره عليها، و بعد الاعتذار لا يكون مصرّا فيسقط عنه الذمّ المقابل للإصرار، و ذكرنا أيضا أنّه لو ندم على اعتذاره، فانّه يحسن ذمّه على
[١] كذا في نسخة (م) و الصحيح: و من.