المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٣١
لو اكره على قتل نفسه لم يكن له أن يقتل نفسه لأنّه غاية ما يخافه.
فأمّا الإكراه على المقام ببلد، فانّ له حكم ما لا ينفك منه مع ذلك المقام، فإن كان لا ينفك مع المقام من فعل أو ترك رخّص له بالإكراه كشرب الخمر و أكل لحم الخنزير و غيرهما ممّا يحل بالإكراه و كترك الصلاة و الصّيام، فانّه يجوز مع الإكراه المقام و يصير كأنّه اكره على ذلك الفعل أو الترك، فإن كان لا ينفكّ عن [١] المقام ممّا لا يتغير قبحه و لم يرخّص له فيه بالإكراه كقتل النفوس فانّه لا يجوز له المقام بالإكراه كما لا يجوز له قتل النفوس بالإكراه.
فأمّا المقام ببلد يظهر فيه كلمة الكفر و لا يتمكّن المقيم من إنكاره، فقد قال قوم: إنّه لا يجوز و يحرم المقام فيه على كلّ حال، و يجب الانتقال منه، و قال آخرون: إذا لم يخف المقيم من أن يؤاخذ بإظهار كلمة الكفر جاز له المقام، و إن أظهر غيره و لا يتمكّن من إنكاره، لأنّه إذا لم يتمكّن من إنكاره فهو معذور في ترك النكير فلا يحرم عليه المقام.
قال الشيخ: و لو جاز أن يحرم عليه المقام مع أنّه معذور في الكفّ عن النكير، لجاز أن يكون ملوما إذا غلب في ظنّه أنّ في بعض الدور منكرا و إن لم يلزمه فيه تكليف، و العلّة الجامعة بينهما أنّه معذور في الحالين في ترك النكير [٢].
فإن قيل: في ذلك ايهام الرضا بالمنكر [٣].
قلنا: ليس في الكفّ عن إنكار المنكر [٤] دلالة على الرضا على كلّ وجه، فإذا قام من ذكرناه و بذل الوسع في إظهار الكراهة لذلك المنكر بطل الإيهام، و قد علمنا أنّ النبيّ عليه السلام أقام بمكّة مدّة و الكفر بها ظاهر و لم يحرم ذلك عليه، لما كان عليه السلام مظهرا للدين في أصحابه و حيث أمكنه، و لا يلزم على
[١] م: مع.
[٢] التمهيد: ص ٣٠٩.
[٣] ج: بالنكير.
[٤] ج: النكير.