المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥٣
عدم كلّ واحد من الثلاثة، فلم جعلوا الآية دالّة على أنّ العفو لا يحصل لتفيد [١] الآية دون أن يجعلوها دالة على أن العاصي لا يختار التوبة أو كبر [٢] الطاعة لتفيد الآية.
فإن قالوا: الوعيد إذا كان خطاب القديم وجب أن يدلّ على ما يختاره و لا يختاره [٣]، و إذا ورد عامّا وجب أن يدلّ على أنّه لا يختار العفو الذي كان جائزا أن يختاره، و التوبة و الطاعات يتعلّقان بغير اختياره تعالى، فلا يدلّ خطابه تعالى على أن ما كان جائزا من اختيار المكلّف إيّاهما لا يقع كالمتوعّد منّا في الشاهد غيره بقول عامّ، فان وعيده ذلك إنّما يدل على ما يختاره و لا يختاره و لا يدل على ما يختاره من أوعده أو لا يختاره.
ألا ترى أنّ وعيده إيّاه إذا كان بقول عامّ فانّه يقتضي أن لا يعفو عنه و لا يسقطه، و لا يدلّ على أنّ من توجه وعيده إليه لا يدفع ما أوعده به عن نفسه بوجه.
قلنا: لا فرق في دلالة الخطاب على ارتفاع أحد الجائزين بين أن يكون ذلك الجائز لا يرجع إلى فعل المخاطب أو إلى غيره، لأنّكم انّما رجعتم في إيجاب الخطاب رفع [٤] الجائز الذي هو من جهة المخاطب إلى ظاهر [٥] الخطاب و عمومه، و إذا كان كذلك فمتى كان ظاهر الخطاب لعمومه يقتضي ذلك على ما ادّعيتم فهو يقتضي أيضا لمثل هذه العلّة رفع الجائز الآخر، أعني المتعلّق بالمكلّف، حتى يكون ظاهر العموم اعطي حقّه، فالفرق بين الأمرين، بأن هذا يرجع إلى المخاطب و ذلك يرجع الى غيره، فرق من غير مكان الجمع.
[١] م: ليفيد.
[٢] م: كثر.
[٣] «و لا يختاره»: ليس في (ج).
[٤] ج: وقع.
[٥] م: أن ظهر.