المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٩٠
مبينا، يظهر له، لا بدّ من أن يندم عليها، و لا يجد من نفسه خيرة في الندامة، حتّى إن شاء ندم و إن شاء لم يندم.
فإن قيل: أ ليس من أساء إلى غيره في الشاهد فإنّه يجب عليه أن يعتذر إليه، فكذلك من عصى اللّه تعالى يجب عليه أن يعتذر إليه من معصيته بالتوبة.
قلنا: لا نسلّم أنّه يجب على المسيء الاعتذار إلى المساء إليه عقلا، بل هو نفس المتنازع فيه. ثمّ و لو سلّمنا ذلك لم يصحّ حمل العاصي في وجوب توبته من معصيته على وجوب اعتذار المسيء من إساءته. و ذلك لأنّ المسيء أضرّ بالمساء إليه و آلمه و غمّه، فيتوقّع من جهته ضرر الانتقام بنفسه أو بالاستعانة بغير و بالدعاء عليه و الحقد عليه و ازدياد فوات نفعه، لأنّه كلّما تذكّر إساءته إليه تجدّد تألّم قلبه و باطنه بذلك، فيستحقّ في مقابلة ذلك عوضا آخر عليه. فإذا اعتذر إليه تشفّى باعتذاره المساء إليه بعض التشفي، و حصلت له بذلك سلوة، فيأمن بذلك من ضرر انتقامه و الازدياد في فوات نفعه.
و جملة الأمر و عقد الباب أنّه إنّما يعتذر إليه دفعا للمضارّ المظنونة المتوقّعة من جهته التي أشرنا إليها. و هذه الوجوه غير قائمة في العاصي، و معصيته للّه تعالى لأنّه جل جلاله متعال عن جواز المنافع و المضارّ عليه، فافترقا.
فأمّا كون التوبة لطفا و مصلحة لنا، فلا شكّ في أنّه وجه في وجوب التوبة، و لكن كونها لطفا و مصلحة لا يعلم عقلا، و إنّما يعلم شرعا، على ما ذكرناه.
فإن قيل: إذا كانت التوبة عن القبيح هي الندم عليه و العزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح، فمعلوم بالعقل أنّ الندم على الفعل و العزم على أن لا يعود إلى مثله صارف عنه داع إلى تركه، فكيف يقولون إنّه لا يعلم كون التوبة لطفا بالعقل؟.
قلنا: الذي يعلم بالعقل هو أنّ النادم على القبيح العازم على أن لا يعود إلى