المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٠٦
رغّب في وصول الثواب إلينا في الآخرة على الوجه المألوف في الدنيا، و ذلك يكون بوقوعها بنا و بحسب دواعينا و أحوالنا، و هذا الوجه و إن اختصّ أهل الثواب دون أهل العقاب و غيرهم من أهل الموقف، فبالإجماع نعلم تساوي الكلّ فيه، لأنّ أحدا من الامّة لم يفرّق على أنّ القرآن دالّ على أنّ أهل الآخرة فاعلون لتمتعهم، لأنّه قال: يأكلون و يشربون و يتمتعون، فأضاف الأفعال إليهم، فوجب كونها بدواعيهم، فقال: «وَ فاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ» [١] و ذلك صريح فيما قلناه، فثبت أنّهم غير مضطرين، و إذا ثبت ذلك و لم يكونوا مكلّفين بترك القبائح لما سبق، و لا يجوز أن يكونوا مغرين عليها، فلا بدّ من أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوها، إمّا بأن يعلمهم اللّه تعالى أنّهم متى حاولوا القبيح منعوا منه، و هذا أقوى ما يقع به الإلجاء، و إمّا بأن يعلمهم اللّه تعالى استغنائهم بالحسن عن القبيح المطابق لأغراضهم و شهواتهم، مع ما في القبيح من استحقاق الذمّ الذي يستضرّون به و يخالف حالهم في ذلك حال القديم تعالى إذا لم يفعل القبيح، لأنّ المنافع و المضار لا يجوزان عليه تعالى، فلا يتصوّر الإلجاء فيه عزّ و جلّ، و ليس لأحد أن يقول: إذا كانوا متصوّرين للمضرّة في القبيح لزم أن يكونوا في الحال مغمومين مستضرين، و ذلك لأنّ تصوّر المضرّة لا يوجب غمّا إذا كان الوصول إليها مأمونا منه.
[هل دار الثواب و العقاب مخلوقتان أم لا؟]
و ممّا يتصل بهذه الجملة الكلام في دار الثواب و دار العقاب، و أنّهما هل هما مخلوقتان الآن أو لم تخلقا بعد؟ و قد اختلف الشيوخ فيه، فذهب أبو علي إلى أنّهما مخلوقتان الآن، و ذهب أبو هاشم إلى أنّهما ليستا مخلوقتين الآن، و اختار القاضي مذهب أبي هاشم جريا على عادته في متابعته له.
و استدلّ أبو هاشم على صحّة مذهبه بقوله تعالى: «أُكُلُها دائِمٌ» [٢] قال:
[١] الواقعة: ٢٠.
[٢] الرعد: ٣٥.