المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٧٩
و من جيّد ما يورد عليهم و يبطل به قولهم [١]: أنّه لو جاز أن يكون الموافاة بالإيمان على تأخّرها من حال وقوع الإيمان في الأصل معتبرة في استحقاق الثواب أو دوامه عليه، لجاز أن يعتبر فيه أيضا أن يكون المؤمن من ابتداء حاله في التكليف مؤمنا، و لا يكون إيمانه بعد كفر، مع ما قد علمنا خلافه بالإجماع.
و الجامع بين الأمرين أنّ كلّ واحد منهما غير مصاحب لحال الحدوث، إذ أحدهما متقدّم و الآخر متأخّر.
فإن قيل: الإجماع فارق بين اعتبار المتقدّم من الإيمان و بين المتأخّر منه، لأنّ الإجماع منعقد على أن لا اعتبار بالمتقدّم من الإيمان، و أنّ الكافر إذا آمن بعد كفره فانّه يثاب على إيمانه و لم ينعقد الإجماع على ما يقوله أصحاب الموافاة، فافترقا.
قلنا: الإجماع كاشف عن أن المتقدّم من الإيمان لا اعتبار به في استحقاق الثواب على الإيمان الحاصل في الحال، لأنّه دلالة على ذلك و ليس مؤثّرا فيه.
فإذا علمنا بالإجماع أنّ المتقدم منه لا يعتبر في استحقاق ما يستحقّ على الحاضر، و العقل لا يفصل بين المتقدّم من ذلك و بين المتأخّر، إذ كلّ واحد منهما غير مصاحب، علمنا أنّ المتأخّر منه أيضا لا اعتبار به في ذلك.
فإن قيل: المتقدّم إنّما لم يكن به اعتبار، لا لكونه غير مصاحب حتّى تحملوا عليه المتأخّر، بل لتقدّمه، و التقدّم وجه غير ثابت في المتأخّر. و بعد، فانّما اعتبرنا المتأخّر من الإيمان في ذلك، لأنّه لو [٢] لم يواف بالإيمان و لم يستمرّ عليه لكان نادما على إيمانه السابق، إذ إنّما لا يستمرّ على الايمان بأن يكفر لشبهة تدخل عليه فيندم على اعتقاده السابق، و الندم على الفعل له أثر في إبطاله و مثل
[١] من هنا سقط في نسخة (م) إلى قوله في ص ١٠٣١: فكما لا يقبح ...
[٢] «لو» ليس في (ج).