المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٩١
تدبير ملكه إليه، فانّه لا يحسن منه أن يختار لذلك إلّا من يثق بمعرفته بأمر الوزارة، و أنّه لا يخفى عليه دقيقه و جليله، و يقبح منه أن يستوزر في كلّ مملكته من لا يعرف شيئا منها أو أكثرها و إن كان لا يمكنه تعلّم ذلك ممّن يعلمه، أو بتجربة و اختبار، و لو استوزر من وصفناه لكان واضعا للشيء في غير موضعه مضيّعا أمر ملكه و لاستحقّ من العقلاء اللوم و التوبيخ بفعله ذلك، و كذا الواحد منّا لو أراد توكيل غيره في بعض حكوماته و مهمّاته لم يحسن أن يختار لذلك التوكيل إلّا من يقطع على معرفته بما يوكله فيه، و متى و كل من لا معرفة له بذلك كلّه أو أكثره كان مهملا لأمره مضيّعه مستحقّا من العقلاء الذمّ و اللوم، و التولية لا تجرى مجرى التكليف، و ليس لأحد أن يقول: أ ليس اللّه تعالى يكلّف العبد ما لا يعلمه، بأن يجعل له طريقا إلى تعلّمه فيكلّفه التعلّم ثمّ ترتيب العمل عليه، فلم لا يجوز مثله في التولية؟ و ذلك لأنّه يحسن من أحدنا أن يكلّف ولده أو عبده تعلّم ما ليس هو عالما به و لا يحسن منه أن يولّيه ما ليس له به علم، فظهر الفرق بين الأمرين.
فإن قيل: الإمام إمام فيما يعلمه دون ما لا يعلمه.
قلنا: هذا خرق الإجماع، إذ الإجماع منعقد على أن الإمام إمام في جميع الدين و أحكام الشرع، باعتبار كونه حاكما في جميعها، فمهما فرض كونه حاكما في بعضها لم نوجب كونه عالما بجميعها.
فإن قيل: إنّما يقبح من المولّي في الشاهد ملكا كان أو غيره أن يولّي أو يوكل من لا معرفة له بما جعله و فوضه إليه من حيث إنّه إذا فعل ذلك يفوته أغراضه و يستضرّ بذلك، و اللّه تعالى منزه عن جواز الاستضرار بشيء فلا يقبح منه ذلك.
قلنا: لو كان الأمر على ما ذكر في السؤال لوجب أن لا يعلم قبح ذلك إلّا من علم أنّ في ذلك ضررا، و قد علمنا و كلّ عاقل قبح ذلك و إن غفلنا و ذهلنا