المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٠
على كلّ وجه و في جميع الحالات، بل المسلّم المعلوم أنّ من كان غرضه نفع شخص و سروره لا غير أو كان ممّن يتعدّى نفعه و ضرّه إليه، فانّ ما يدعوه إلى تعظيمه يصرفه عن الاستخفاف به، إذ في الاستخفاف به- و الحال ما وصفناه- نقض لغرضه الذي هو نفعه أو إدخال المضرّة [١] على نفسه.
فأمّا من كان غرضه فعل المستحق، و كان الذي يمدحه و يذمّه ممّن لا يتعدّى إليه نفعه و ضرّه، فانّه لا يمتنع أن يفعل به الأمرين، و ما يدعوه إلى أحدهما لا يصرفه عن الآخر. فمن يزعم و يدّعي أنّ الباب واحد و أنّ الكلّ متساو في ذلك، فعليه أن يبيّن، و ما الفرق بينه و بين من يدّعي [٢] ذلك في الألم و اللذّة و يقول [٣] ما يدعو إلى إلذاذ شخص يصرف عن إيلامه. فان [٤] ارتكبوا ذلك كابروا الضرورات لعلمنا ضرورة بتأتّي نفع أحدنا غيره و ضرره و إلذاذه و إيلامه في حالة واحدة. ألا ترى أنّ أحدنا قد يؤلم مريضه بالفصد و يلذّه بسقيه الجلّاب [٥] بالنبات في حالة واحدة، و ما يدعوه إلى أحدهما لا يصرفه عن الآخر. و إن لم يرتكبوا ذلك طولبوا بالفرق و الفصل بينه و بين ما اعتمدوه، و لن يجدوه.
ثمّ نقول لأبي هاشم خاصّة و لمن يذهب مذهبه: أ لستم تقولون إنّ المحسن يستحقّ بإحسانه ضربا من التعظيم بالشكر، و أنّ هذا التعظيم الذي هو الشكر لا ينحبط و لا يبطل ما يستحقّه من الذمّ و العقاب على أفعاله القبيحة الخارجة من باب الإساءات، حتّى أجزتم في الكافر المستحقّ للذمّ و العقاب بكفره أن يحسن إلى غيره فيستحقّ منه الشكر و التعظيم و يحسن من ذلك الغير أن يشكره
[١] م: للمضرّة.
[٢] م: يدّعي مثل.
[٣] م: و نقول.
[٤] م: و إن.
[٥] الجلّاب (فارسية معرّبة): ماء الورد.
المنقذ من التقليد ج٢ ٥١ القول في التحابط ..... ص : ٤٢