المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٩٣
علمه من حكم اللّه في الحادثة لا يقدح في حقّه، و كما أنّ رجوع القاضي بعد شهادة العدول إلى غيره في حكم الدعوى و احتياجه إليه فيه قادح في حقّه و وجه في قبح توليته القضاء، كذلك احتياج الإمام إلى غيره في تعرّف حكم اللّه تعالى في الحادثة قدح في حقّه و وجه في قبح توليته الإمامة، على أن بعض أصحابنا قد قال: إنّه يعلم جميع ذلك بالنصّ من قبل اللّه تعالى و يروون في ذلك أخبارا، غير أن هذا ممّا لا نلتزمه وجوبا و إن كان جائزا.
يؤيّد ما ذكرنا و يوضّحه أنّ مخالفنا و إن لم يوجب كونه عالما بجميع الأحكام، فانّه يذهب إلى أنّه متى كان عاملا بجميع الأحكام كان أفضل و يوجب كونه من أهل الاجتهاد فيها و مع ذلك لا يلزمه القول بأنّه يجب أن يكون من أهل الاجتهاد في الصنائع، و أنّه متى كان عالما بالصنائع و من أهل الاجتهاد فيها كان أولى فظهر فساد ما ألزموناه، و لا يلزمنا أيضا علم أمراء الإمام و ولاته و نوّابه بجميع أحكام الدين، لأنّهم ليسوا نوّابه في جميعها و انّما فوّض إلى كلّ واحد منهم بعض الأحكام و جعله نائبا في بعض الامور، فكلّ من ولّاه أمرا فانّه لا بدّ من أن يكون عالما به، هذا هو الذي نذهب إليه، فلو فرضنا استخلاف الإمام بعض خلفائه على جميع ما إليه، فحينئذ يجب في ذلك المستخلف أن يكون عالما بجميع أحكام الدين.
فإن قيل: الأمير و القاضي إذا كانا نائبين عن الإمام في أقاصي البلاد و حدثت حادثة تضيق الحال فيها و لا يعرفان حكمها لعدم وقوع نظيرها من قبل، ما تدبير هما فيها؟ و ما الذي يعملانه؟.
فإن قلتم: يرجعان إلى غيرهما بطل ما قلتموه، و إن قلتم: يرجعان الى الاجتهاد، فذلك ممّا تأبونه.
قلنا: هذا المقدّر عندنا غير جائز الوقوع، لأنّ الإمام لا يولّى في الأطراف إلّا من يثق بعلمه، و يعلم أنّه لا يقع في إمارته إلّا ما يعلمه.