المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٦٣
و منها أن قالوا: قد علمنا ضرورة أنّ من أحسن إلى غيره بكثير الإحسان و عظيمه كأن يكون نجّاه من القتل و استخلص أولادا يعزّون عليه من الهلكة و أغناه من الفقر و امنه بعد الخوف و أعزّه بعد الذلّ ثمّ كسر له قلما يكتب به، فانّه لا يحسن منه [١] أن يذمّه على كسر ذلك القلم [٢] و إن كان لو لا تقدّم تلك الضروب من الإحسان إليه لحسن منه ذمّه على ذلك و كذلك لو أساء إليه إساءات عظيمة، كقتل أولاده و سلب أمواله و التناهي في مكروهه ثم أصلح له قلما، فانّه لا يحسن منه أن يشكره على ذلك و إن كان لو لا تقدّم تلك الاساءات لكان يحسن منه، بل يجب عليه شكره على ذلك الإصلاح قالوا:
و معلوم أنّ قبح الذمّ و الشكر في الموضعين إنّما هو لخروجهما عن الاستحقاق، بدلالة أنّ كلّ واحد من الإحسان و الإساءة المشار إليهما من كسر القلم و إصلاحه لو انفرد لحسن الشكر على الإحسان منهما [٣]، و الذمّ على الإساءة لما كانا مستحقّين، فلو بقي استحقاقهما مع ما ذكرناه من الإحسان العظيم في أحد الموضعين و الإساءة العظيمة في الآخر لحسن استعمالها كما حسن عند الانفراد، لأنّ الذمّ إنّما يقبح عند عظم المستحقّ من المدح و التعظيم و كذا الشكر و المدح إنّما يقبحان عند عظم الإساءة و إذا كان كذلك و قد علمنا أنّ عظم المستحقّ لا يؤثّر إلّا في خروج ما يقابله من الاستحقاق دلّنا ذلك على أنّهما إنّما قبحا من حيث سقط استحقاقهما في الموضعين اللذين أشرنا إليهما.
و اذا ثبت سقوط استحقاقهما، فليس ذلك إلّا لاستحالة اجتماع كلّ واحد منهما مع ما يقابله، لأنّه لو جاز اجتماعهما في الاستحقاق لما أثّر أحدهما في الآخر، بدلالة سائر ما يصحّ اجتماعه مع كلّ واحد منهما كالدين و العوض.
[١] «منه» ليس في (م).
[٢] «القلم» ليس في (م).
[٣] ج: منها.