المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٣
العاصي ما فعل المعصية إلّا في أوقات يسيرة، فكيف يعلّل دوام ما استحقّاه من المدح و الذمّ بأن فعلاه إذا لم يبطلاه كأنّه في الحكم دائم و في التحقيق هما منقطعان؟.
ثمّ يقال لهم: يلزمكم على هذا التعليل أن تقولوا بدوام العوض، و ذلك لأنّ لمن ينازعكم في انقطاعه أن يقول: إنّ المستحقّ للعوض إنّما استحقّ ذلك على مولمه، لأنّه آلمه إمّا استصلاحا أو ظلما، و ذلك في حكم الدائم.
و بيانه أنّه تعالى لو علم أنّ الصلاح في إدامة ذلك الألم لأدامه، فهو في حكم الدائم. و الظالم إذا لم يندم على ما أوصل إلى المظلوم من الألم و لم يبطله بإحسان إليه زائد على ظلمه له يكون في حكم المولم الظالم له أبدا على مقتضى قولكم في هذه الطريقة فيجب أن يستحقّ العوض دائما. فما توردونه في الجواب عن هذا، فهو جوابنا لكم عن هذا الوجه.
و ممّا تمسّكوا به أيضا أن قالوا: المستحقّ من الثواب لا يخلو من أحد وجهين: إمّا أن يكون المعتبر فيه مبلغا بعينه من غير تقدير بالأوقات، أو كونه مقدّرا بالأوقات من غير مراعاة لمبلغ بعينه كاستحقاق المدح على المحسنات من الواجبات و المندوبات و الذمّ على القبيح و الشكر على النعم. فلو استحقّ الثواب على الوجه الأوّل، لصحّ أن يوصل إلى المستحقّ في حالة واحدة، لأنّ المعتبر فيه بمقدار بعينه، لا بالأوقات التي يفعل فيها. و لو جمع للمثاب ما يستحقّه من الثواب في حالة واحدة ثمّ قطع عنه لم يحسن التكليف و التعريض لذلك الثواب، لأنّه لا يكون مقابلا لما عرّض [١] له من مشقّة التكليف، فثبت أنّه يستحقّ على الوجه الثاني المقدّر بالأوقات، و ليس بعض الأوقات في ذلك أولى من بعض، فوجب أن يستغرق جميعها.
[١] م: عوض.