المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٦
قلنا: القول بدليل الخطاب باطل بما هو مذكور في موضعه.
فإن قيل: قوله تعالى: «وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ» يتنزّل منزلة أن يقول:
و يتّبع إلّا سبيل المؤمنين، فانّ «غير» ممّا يستثنى به ك «إلّا»، و إذا كان كذلك وجب أن يكون اتّباع سبيلهم بخلاف اتّباع سبيل غيرهم، فانّ المستثنى لا بدّ من أنّ يخالف المستثنى منه، فإذا كان اتّباع غير سبيلهم محظورا وجب أن لا يكون اتّباع سبيلهم محظورا بل يكون حسنا، و فيه حصول المقصود، إذ لو كان سبيلهم خطأ لما حسن اتّباعه.
قلنا: لا نسلّم أنّ «غير» في الآية بمنزلة «إلّا»، لأنّ «غير» حقيقة في الصفة و انّ استثني به في بعض المواضع تجوّزا أو توسعا، كما أنّ «إلّا» وضع للاستثناء به حقيقة و إن وصف به في بعض المواضع تجوّزا.
يبيّن ما ذكرناه أنّه يحسن أن يقول القائل: لا تأكل غير هذا الطعام و لا هذا الطعام أيضا و لا تخاطب غير زيد و لا زيدا و لا يكون هذا القائل مناقضا في قوله هذا، و لا يحسن أن يقول: لا تأكل إلّا هذا الطعام و لا هذا الطعام و لا تخاطب إلّا زيدا و لا زيدا [١] لأنّ هذا القول مناقضة ظاهرة في القول مستهجنة عند العقلاء العارفين باللغة. فإذا ظهر الفرق بين القولين تحقّق أنّ «غير» حقيقة في الصفة مجاز في الاستثناء، و إذا كان كذلك لم يجز حمله في الآية على الاستثناء إلّا لضرورة، و لا ضرورة، فبطل قول السائل.
فإن قيل: حظر اتّباع غير سبيل المؤمنين يقتضي حسن اتّباع سبيلهم من وجه آخر، و هو أنّه ليس هاهنا إلّا سبيلان: أحدهما سبيلهم و الآخر غير سبيلهم و لا ثالث، فإذا حظر اتّباع أحدهما وجب حسن اتّباع الآخر، و إلّا كنّا كلفنا
[١] قوله «و لا يكون هذا القائل ... الى قوله: و لا زيدا» سقط في (ج).