المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١١٥
لأهل الكبائر من أمتي» و يبطله.
ثمّ نقول لهم: وهب أنّهم لا يسمّون ظالمين بعد التوبة، فانّهم يسمّون بذلك قبلها بلا شبهة، فلا يصحّ أن ينفي الشفاعة عنهم و فيهم من يتوب و يشفع فيه.
فعلى هذا لا بدّ لهم من تخصيص الآية و إخراج التائبين منها.
و بعد فأنّا نسلّم لهم القول بالعموم و لا ننازعهم في أنّه لا بدّ لهم أيضا من القول بتخصيص الآية، و مع ذلك نقول: لا حجّة لكم في ظاهر هذه الآية، لأنّه تعالى إنّما نفي بظاهر لفظ الآية أن يكون للظالمين شفيع يطاع، لا شفيع مطلق، و من أثبت الشفاعة للمذنبين لا يقول: إنّ الشفيع فيهم يطاع، لأنّ الإجابة لا تسمّى طاعة، إلّا إذا كانت ممّن هو أدون رتبة للمجاب.
فإن قالوا: فأيّ فائدة في تخصيص الظالمين بأنّه لا شفيع لهم يطاع؟ و معلوم أنّ الشفيع إلى اللّه تعالى لا يكون مطاعا؟ سواء شفع في ظالم أو غير ظالم؟.
قلنا: الفائدة في ذلك أن يخبرنا تعالى بانقطاع الخلوّ إليه عزّ و جلّ و أنّه متى لم يرد تعالى أن يتفضّل عليهم بالعفو لم يجدوا دافعا لعقابه. و أنّ من يتفضّل عليه منهم بإسقاط عقابه عند شفاعة من شفع فيه إنّما يفعل ذلك امتنانا عليه و على الشافع فيه و تفضّلا و إحسانا منه إليهما، لا أنّه مطيع لغيره فيه.
و منها: قوله تعالى: «وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ» [١].
و الجواب عن تمسّكهم بهذه الآية: انّ النصرة ليست هي الشفاعة، لأنّ الشفاعة إنّما هي الطلب على وجه اللين و الخضوع، و النصرة إنّما هي المدافعة عن المنصور و المغالبة في الدفع عنه. و لهذا لا يقول أحد في بعض رعيّة السلطان إذا سأل السلطان على وجه الخضوع في فقير ضعيف قد جنى جناية أن يعفو عنه و يصفح عن جنايته: إنّه ناصر له من السلطان، بل يقول: شافع فيه، و لكن
[١] البقرة: ٢٧٠.